سورة يوسف تفسير القرطبي الآية 12
أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًۭا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ﴿١٢﴾

سورة يوسف تفسير القرطبي

إِلَى الصَّحْرَاء . " غَدًا " ظَرْف , وَالْأَصْل عِنْد سِيبَوَيْهِ غَدْو , وَقَدْ نَطَقَ بِهِ عَلَى الْأَصْل ; قَالَ النَّضْر بْن شُمَيْل : مَا بَيْن الْفَجْر وَصَلَاة الصُّبْح يُقَال لَهُ غُدْوَة , وَكَذَا بُكْرَة .







بِالنُّونِ وَإِسْكَان الْعَيْن قِرَاءَة أَهْل الْبَصْرَة . وَالْمَعْرُوف مِنْ قِرَاءَة أَهْل مَكَّة . " نَرْتَع " بِالنُّونِ وَكَسْر الْعَيْن . وَقِرَاءَة أَهْل الْكُوفَة . " يَرْتَع وَيَلْعَب " بِالْيَاءِ وَإِسْكَان الْعَيْن . وَقِرَاءَة أَهْل الْمَدِينَة بِالْيَاءِ وَكَسْر الْعَيْن ; الْقِرَاءَة الْأُولَى مِنْ قَوْل الْعَرَب رَتَعَ الْإِنْسَان وَالْبَعِير إِذَا أَكَلَا كَيْف شَاءَا ; وَالْمَعْنَى : نَتَّسِع فِي الْخِصْب ; وَكُلّ مُخْصِب رَاتِع ; قَالَ : فَارْعَيْ فَزَارَة لَا هُنَاكَ الْمَرْتَع وَقَالَ آخَر : تَرْتَع مَا غَفَلَتْ حَتَّى إِذَا اِدَّكَرَتْ فَإِنَّمَا هِيَ إِقْبَال وَإِدْبَار وَقَالَ آخَر : أَكُفْرًا بَعْد رَدّ الْمَوْت عَنِّي وَبَعْد عَطَائِك الْمِائَة الرِّتَاعَا أَيْ الرَّاتِعَة لِكَثْرَةِ الْمَرْعَى . وَرَوَى مَعْمَر عَنْ قَتَادَة " تَرْتَع " تَسْعَى ; قَالَ النَّحَّاس : أَخَذَهُ مِنْ قَوْله : " إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِق " لِأَنَّ الْمَعْنَى : نَسْتَبِق فِي الْعَدْو إِلَى غَايَة بِعَيْنِهَا ; وَكَذَا " يَرْتَع " بِإِسْكَانِ الْعَيْن , إِلَّا أَنَّهُ لِيُوسُف وَحْده صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . و " يَرْتَع " بِكَسْرِ الْعَيْن مِنْ رَعْي الْغَنَم , أَيْ لِيَتَدَرَّب بِذَلِكَ وَيَتَرَجَّل ; فَمَرَّة يَرْتَع , وَمَرَّة يَلْعَب لِصِغَرِهِ . وَقَالَ الْقُتَبِيّ " نَرْتَع " نَتَحَارَس وَنَتَحَافَظ , وَيَرْعَى بَعْضنَا بَعْضًا ; مِنْ قَوْلك : رَعَاك اللَّه ; أَيْ حَفِظَك . " وَنَلْعَب " مِنْ اللَّعِب وَقِيلَ لِأَبِي عَمْرو بْن الْعَلَاء : كَيْف قَالُوا " وَنَلْعَب " وَهُمْ أَنْبِيَاء ؟ فَقَالَ : لَمْ يَكُونُوا يَوْمئِذٍ أَنْبِيَاء . وَقِيلَ : الْمُرَاد بِاللَّعِبِ الْمُبَاح مِنْ الِانْبِسَاط , لَا اللَّعِب الْمَحْظُور الَّذِي هُوَ ضِدّ الْحَقّ ; وَلِذَلِكَ لَمْ يُنْكِر يَعْقُوب قَوْلهمْ " وَنَلْعَب " . وَمِنْهُ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( فَهَلَّا بِكْرًا تُلَاعِبهَا وَتُلَاعِبك ) . وَقَرَأَ مُجَاهِد وَقَتَادَة : " يَرْتَع " عَلَى مَعْنَى يُرْتِع مَطِيَّته , فَحَذَفَ الْمَفْعُول ; " وَيَلْعَب " بِالرَّفْعِ عَلَى الِاسْتِئْنَاف ; وَالْمَعْنَى : هُوَ مِمَّنْ يَلْعَب





مِنْ كُلّ مَا تَخَاف عَلَيْهِ . ثُمَّ يَحْتَمِل أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ رُكْبَانًا , وَيَحْتَمِل أَنَّهُمْ كَانُوا رَجَّالَة . وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُمْ حَمَلُوا يُوسُف عَلَى أَكْتَافهمْ مَا دَامَ يَعْقُوب يَرَاهُمْ , ثُمَّ لَمَّا غَابُوا عَنْ عَيْنه طَرَحُوهُ لِيَعْدُوَ مَعَهُمْ إِضْرَارًا بِهِ .