سورة الرعد تفسير الطبري الآية 14
لَهُۥ دَعْوَةُ ٱلْحَقِّ ۖ وَٱلَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُم بِشَىْءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى ٱلْمَآءِ لِيَبْلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦ ۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلْكَٰفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَٰلٍۢ ﴿١٤﴾

سورة الرعد تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { لَهُ دَعْوَة الْحَقّ } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : لِلَّهِ مِنْ خَلْقه الدَّعْوَة الْحَقّ , وَالدَّعْوَة هِيَ الْحَقّ كَمَا أُضِيفَتْ الدَّار إِلَى الْآخِرَة فِي قَوْله : { وَلَدَار الْآخِرَة } وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى . وَإِنَّمَا عُنِيَ بِالدَّعْوَةِ الْحَقّ : تَوْحِيد اللَّه , وَشَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا تَأَوَّلَهُ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15398 - حَدَّثَنَا أَحْمَد بْن إِسْحَاق , قَالَ ثَنَا أَبُو أَحْمَد , قَالَ : ثَنَا إِسْرَائِيل , عَنْ سِمَاك , عَنْ عِكْرِمَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس : { دَعْوَة الْحَقّ } قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { لَهُ دَعْوَة الْحَقّ } قَالَ : شَهَادَة أَنْ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . 15399 - قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن هَاشِم , قَالَ : ثَنَا سَيْف , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ أَبِي أَيُّوب , عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : { لَهُ دَعْوَة الْحَقّ } قَالَ : التَّوْحِيد . 15400 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { لَهُ دَعْوَة الْحَقّ } قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : قَالَ اِبْن عَبَّاس , فِي قَوْله : { لَهُ دَعْوَة الْحَقّ } قَالَ : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه . 15401 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { لَهُ دَعْوَة الْحَقّ } : لَا إِلَه إِلَّا اللَّه لَيْسَتْ تَنْبَغِي لِأَحَدٍ غَيْره , لَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَال : فُلَان إِلَه بَنِي فُلَان .



وَقَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه } يَقُول ـ تَعَالَى ذِكْره ـ : وَالْآلِهَة الَّتِي يَدْعُونَهَا الْمُشْرِكُونَ أَرْبَابًا وَآلِهَة . وَقَوْله { مِنْ دُونه } يَقُول : مِنْ دُون اللَّه ; وَإِنَّمَا عُنِيَ بِقَوْلِهِ : { مِنْ دُونه } الْآلِهَة أَنَّهَا مُقَصِّرَة عَنْهُ , وَأَنَّهَا لَا تَكُون إِلَهًا , وَلَا يَجُوز أَنْ يَكُون إِلَهًا إِلَّا اللَّه الْوَاحِد الْقَهَّار ; وَمِنْهُ قَوْل الشَّاعِر : أَتُوعِدُنِي وَرَاء بَنِي رِيَاح كَذَبْت لَتَقْصُرَن يَدَاك دُونِي يَعْنِي : لَتَقْصُرَن يَدَاك عَنِّي .





وَقَوْله : { لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ } يَقُول : لَا تُجِيب هَذِهِ الْآلِهَة الَّتِي يَدْعُوهَا هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكُونَ آلِهَة بِشَيْءٍ يُرِيدُونَهُ مِنْ نَفْع أَوْ دَفْع ضُرّ . { إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء } يَقُول : لَا يَنْفَع دَاعِي الْآلِهَة دُعَاؤُهُ إِيَّاهَا إِلَّا كَمَا يَنْفَع بَاسِط كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء , بَسْطه إِيَّاهُمَا إِلَيْهِ مِنْ غَيْر أَنْ يَرْفَعهُ إِلَيْهِ فِي إِنَاء , وَلَكِنْ لِيَرْتَفِع إِلَيْهِ بِدُعَائِهِ إِيَّاهُ وَإِشَارَته إِلَيْهِ وَقَبْضه عَلَيْهِ . وَالْعَرَب تَضْرِب لِمَنْ سَعَى فِيمَا لَا يُدْرِكهُ مَثَلًا بِالْقَابِضِ عَلَى الْمَاء . قَالَ بَعْضهمْ : فَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيْكُمْ كَقَابِضِ مَاء لَمْ تَسُقْهُ أَنَامِله يَعْنِي بِذَلِكَ : أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَده مِنْ ذَلِكَ إِلَّا كَمَا فِي يَد الْقَابِض عَلَى الْمَاء , لِأَنَّ الْقَابِض عَلَى الْمَاء لَا شَيْء فِي يَده . وَقَالَ آخَر : فَأَصْبَحْت مِمَّا كَانَ بَيْنِي وَبَيْنهَا مِنْ الْوُدّ مِنْ الْقَابِض الْمَاء بِالْيَدِ وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15402 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا سَيْف , عَنْ أَبِي رَوْق , عَنْ أَبِي أَيُّوب , عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ , فِي قَوْله : { إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } قَالَ : كَالرَّجُلِ الْعَطْشَان يَمُدّ يَده إِلَى الْبِئْر لِيَرْتَفِع الْمَاء إِلَيْهِ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ . 15403 - حَدَّثَنَا الْحَسَن بْن مُحَمَّد , قَالَ : ثَنَا شَبَّابَة , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء } يَدْعُو الْمَاء بِلِسَانِهِ وَيُشِير إِلَيْهِ بِيَدِهِ , وَلَا يَأْتِيه أَبَدًا . - قَالَ : ثَنَا حَجَّاج , عَنْ اِبْن جُرَيْج , قَالَ : أَخْبَرَنِي الْأَعْرَج , عَنْ مُجَاهِد : { لِيَبْلُغ فَاهُ } يَدْعُوهُ لِيَأْتِيَهُ وَمَا هُوَ يَأْتِيه , كَذَلِكَ لَا يَسْتَجِيب مَنْ هُوَ دُونه . - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثَنَا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثَنَا عِيسَى , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد : { كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء } يَدْعُو الْمَاء بِلِسَانِهِ وَيُشِير إِلَيْهِ بِيَدِهِ , فَلَا يَأْتِيه أَبَدًا . - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا أَبُو حُذَيْفَة , قَالَ : ثَنَا شِبْل , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد ; قَالَ : وَثَنَا إِسْحَاق , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه , قَالَ : ثَنَا وَرْقَاء , عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , مِثْله . - حَدَّثَنَا الْقَاسِم , قَالَ : ثَنَا الْحُسَيْن , قَالَ : ثَنِي حَجَّاج . عَنْ اِبْن جُرَيْج , عَنْ مُجَاهِد , مِثْل حَدِيث الْحَسَن , عَنْ حَجَّاج , قَالَ اِبْن جُرَيْج : وَقَالَ الْأَعْرَج عَنْ مُجَاهِد : { لِيَبْلُغ فَاهُ } قَالَ : يَدْعُوهُ لِأَنْ يَأْتِيَهُ وَمَا هُوَ بِآتِيهِ , فَكَذَلِكَ لَا يَسْتَجِيب مَنْ هُوَ دُونه . 15404 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثَنَا يَزِيد , قَالَ : ثَنَا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } وَلَيْسَ بِبَالِغِهِ حَتَّى يَتَمَزَّع عُنُقه وَيَهْلِك عَطَشًا , قَالَ اللَّه تَعَالَى : { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال } هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه ; أَيْ هَذَا الَّذِي يَدْعُو مِنْ دُون اللَّه هَذَا الْوَثَن وَهَذَا الْحَجَر لَا يَسْتَجِيب لَهُ بِشَيْءٍ أَبَدًا وَلَا يَسُوق إِلَيْهِ خَيْرًا وَلَا يَدْفَع عَنْهُ سُوءًا حَتَّى يَأْتِيه الْمَوْت , كَمَثَلِ هَذَا الَّذِي بَسَطَ ذَارِعِيهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغ فَاهُ وَلَا يَبْلُغ فَاهُ وَلَا يَصِل إِلَيْهِ ذَلِكَ حَتَّى يَمُوت عَطَشًا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَتَنَاوَل خَيَاله فِيهِ , وَمَا هُوَ بِبَالِغِ ذَلِكَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 15405 - حَدَّثَنِي الْمُثَنَّى , قَالَ : ثَنَا عَبْد اللَّه بْن صَالِح , قَالَ : ثَنِي مُعَاوِيَة , عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَلْحَة , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغ فَاهُ } فَقَالَ : هَذَا مَثَل الْمُشْرِك مَعَ اللَّه غَيْره , فَمَثَله كَمَثَلِ الرَّجُل الْعَطْشَان الَّذِي يَنْظُر إِلَى خَيَاله فِي الْمَاء مِنْ بَعِيد , فَهُوَ يُرِيد أَنْ يَتَنَاوَلهُ وَلَا يَقْدِر عَلَيْهِ . وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ مَا : 15406 - حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثَنِي أَبِي , قَالَ : ثَنِي عَمِّي , قَالَ : ثَنِي أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ } إِلَى : { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال } يَقُول : مَثَل الْأَوْثَان الَّذِينَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُون اللَّه كَمَثَلِ رَجُل قَدْ بَلَغَهُ الْعَطَش حَتَّى كَرَبَهُ الْمَوْت وَكَفَّاهُ فِي الْمَاء قَدْ وَضَعَهُمَا لَا يَبْلُغَانِ فَاهُ , يَقُول اللَّه : لَا تَسْتَجِيب الْآلِهَة وَلَا تَنْفَع الَّذِينَ يَعْبُدُونَهَا حَتَّى يَبْلُغ كَفَّا هَذَا فَاهُ , وَمَا هُمَا بِبَالِغَتَيْنِ فَاهُ أَبَدًا . 15407 - حَدَّثَنِي يُونُس , قَالَ : أَخْبَرَنَا اِبْن وَهْب , قَالَ : قَالَ اِبْن زَيْد , فِي قَوْله : { وَاَلَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونه لَا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ } قَالَ : لَا يَنْفَعُونَهُمْ بِشَيْءٍ إِلَّا كَمَا يَنْفَع هَذَا بِكَفَّيْهِ , يَعْنِي بَسَطَهُمَا إِلَى مَا لَا يَنَال أَبَدًا . وَقَالَ آخَرُونَ : فِي ذَلِكَ مَا : 15408 - حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّد بْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثَنَا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , عَنْ قَتَادَة : { إِلَّا كَبَاسِطِ كَفَّيْهِ إِلَى الْمَاء لِيَبْلُغ فَاهُ } وَلَيْسَ الْمَاء بِبَالِغِ فَاهُ مَا قَامَ بَاسِطًا كَفَّيْهِ لَا يَقْبِضهُمَا { وَمَا هُوَ بِبَالِغِهِ وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال } قَالَ : هَذَا مَثَل ضَرَبَهُ اللَّه لِمَنْ اِتَّخَذَ مِنْ دُون اللَّه إِلَهًا أَنَّهُ غَيْر نَافِعه , وَلَا يَدْفَع عَنْهُ سُوءًا حَتَّى يَمُوت عَلَى ذَلِكَ .





وَقَوْله : { وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَال } يَقُول : وَمَا دُعَاء مَنْ كَفَرَ بِاَللَّهِ مَا يَدْعُو مِنْ الْأَوْثَان وَالْآلِهَة إِلَّا فِي ضَلَال : يَقُول : إِلَّا فِي غَيْر اِسْتِقَامَة وَلَا هُدًى , لِأَنَّهُ يُشْرِك بِاَللَّهِ .