سورة مريم تفسير القرطبي الآية 4
قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا ﴿٤﴾

سورة مريم تفسير القرطبي

"قَالَ رَبّ إِنِّي وَهَنَ " قُرِئَ " وَهَنَ " بِالْحَرَكَاتِ الثَّلَاث أَيْ ضَعُفَ . يُقَال : وَهَنَ يَهِن وَهْنًا إِذَا ضَعُفَ فَهُوَ وَاهِن . وَقَالَ أَبُو زَيْد يُقَال : وَهَنَ يَهِن وَوَهَنَ يَوْهَن . وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعَظْم لِأَنَّهُ عَمُود الْبَدَن , وَبِهِ قِوَامه , وَهُوَ أَصْل بِنَائِهِ , فَإِذَا وَهَنَ تَدَاعَى وَتَسَاقَطَ سَائِر قُوَّته ; وَلِأَنَّهُ أَشَدّ مَا فِيهِ وَأَصْلَبه ; فَإِذَا وَهَنَ كَانَ مَا وَرَاءَهُ أَوْهَن مِنْهُ . وَوَحَّدَهُ لِأَنَّ الْوَاحِد هُوَ الدَّالّ عَلَى مَعْنَى الْجِنْسِيَّة , وَقَصْده إِلَى أَنَّ هَذَا الْجِنْس الَّذِي هُوَ الْعَمُود وَالْقِوَام , وَأَشَدّ مَا تَرَكَّبَ مِنْهُ الْجَسَد قَدْ أَصَابَهُ الْوَهْن , وَلَوْ جُمِعَ لَكَانَ قَصَدَ إِلَى مَعْنًى آخَر , وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يَهِن مِنْهُ بَعْض عِظَامه وَلَكِنْ كُلّهَا .







أَدْغَمَ السِّين فِي الشِّين أَبُو عَمْرو . وَهَذَا مِنْ أَحْسَن الِاسْتِعَارَة فِي كَلَام الْعَرَب . وَالِاشْتِعَال اِنْتِشَار شُعَاع النَّار ; شَبَّهَ بِهِ اِنْتِشَار الشَّيْب فِي الرَّأْس ; يَقُول : شِخْت وَضَعُفْت ; وَأَضَافَ الِاشْتِعَال إِلَى مَكَان الشَّعْر وَمَنْبَته وَهُوَ الرَّأْس . وَلَمْ يُضِفْ الرَّأْس اِكْتِفَاء بِعِلْمِ الْمُخَاطَب أَنَّهُ رَأْس زَكَرِيَّا عَلَيْهِ السَّلَام . " وَشَيْبًا " فِي نَصْبه وَجْهَانِ : أَحَدهمَا : أَنَّهُ مَصْدَر لِأَنَّ مَعْنَى اِشْتَعَلَ شَابَ ; وَهَذَا قَوْل الْأَخْفَش . وَقَالَ الزَّجَّاج : وَهُوَ مَنْصُوب عَلَى التَّمْيِيز . النَّحَّاس : قَوْل الْأَخْفَش أَوْلَى لِأَنَّهُ مُشْتَقّ مِنْ فَعَلَ فَالْمَصْدَر أَوْلَى بِهِ . وَالشَّيْب مُخَالَطَة الشَّعْر الْأَبْيَض الْأَسْوَد . قَالَ الْعُلَمَاء : يُسْتَحَبّ لِلْمَرْءِ أَنْ يَذْكُر فِي دُعَائِهِ نِعَم اللَّه تَعَالَى عَلَيْهِ وَمَا يَلِيق بِالْخُضُوعِ ; لِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : " وَهَنَ الْعَظْم مِنِّي " إِظْهَار لِلْخُضُوعِ .





إِظْهَار لِعَادَاتِ تَفَضُّله فِي إِجَابَته أَدْعِيَته ; أَيْ لَمْ أَكُنْ بِدُعَائِي إِيَّاكَ شَقِيًّا ; أَيْ لَمْ تَكُنْ تُخَيِّب دُعَائِي إِذَا دَعَوْتُك ; أَيْ إِنَّك عَوَّدْتنِي الْإِجَابَة فِيمَا مَضَى . يُقَال : شَقِيَ بِكَذَا أَيْ تَعِبَ فِيهِ وَلَمْ يَحْصُل مَقْصُوده . وَعَنْ بَعْضهمْ أَنَّ مُحْتَاجًا سَأَلَهُ وَقَالَ : أَنَا الَّذِي أَحْسَنْت إِلَيْهِ فِي وَقْت كَذَا ; فَقَالَ : مَرْحَبًا بِمَنْ تَوَسَّلَ بِنَا إِلَيْنَا ; وَقَضَى حَاجَته .