سورة الأنبياء تفسير القرطبي الآية 3
لَاهِيَةًۭ قُلُوبُهُمْ ۗ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ هَلْ هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٌۭ مِّثْلُكُمْ ۖ أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ ﴿٣﴾

سورة الأنبياء تفسير القرطبي

أَيْ سَاهِيَة قُلُوبهمْ , مُعْرِضَة عَنْ ذِكْر اللَّه , مُتَشَاغِلَة عَنْ التَّأَمُّل وَالْتَفَهُّم ; مِنْ قَوْل الْعَرَب : لَهِيت عَنْ ذِكْر الشَّيْء إِذَا تَرَكْته وَسَلَوْت عَنْهُ أَلْهَى لُهِيًّا وَلِهْيَانًا . وَ " لَاهِيَة " نَعْت تَقَدَّمَ الِاسْم , وَمِنْ حَقّ النَّعْت أَنْ يَتْبَع الْمَنْعُوت فِي جَمِيع الْإِعْرَاب , فَإِذَا تَقَدَّمَ النَّعْت الِاسْم اِنْتَصَبَ كَقَوْلِهِ : " خَاشِعَة أَبْصَارهمْ " [ الْقَلَم : 43 ] وَ " وَدَانِيَة عَلَيْهِمْ ظِلَالهَا " [ الْإِنْسَان : 14 ] وَ " لَاهِيَة قُلُوبهمْ " قَالَ الشَّاعِر : لِعَزَّةَ مُوحِشًا طَلَل يَلُوح كَأَنَّهُ خَلَل أَرَادَ : طَلَل مُوحِش . وَأَجَازَ الْكِسَائِيّ وَالْفَرَّاء " لَاهِيَة قُلُوبهمْ " بِالرَّفْعِ بِمَعْنَى قُلُوبهمْ لَاهِيَة . وَأَجَازَ غَيْرهمَا الرَّفْع عَلَى أَنْ يَكُون خَبَرًا بَعْد خَبَر وَعَلَى إِضْمَار مُبْتَدَأ . وَقَالَ الْكِسَائِيّ : وَيَجُوز أَنْ يَكُون الْمَعْنَى ; إِلَّا اِسْتَمَعُوهُ لَاهِيَة قُلُوبهمْ .





أَيْ تَنَاجَوْا فِيمَا بَيْنهمْ بِالتَّكْذِيبِ , ثُمَّ بَيَّنَ مَنْ هُمْ فَقَالَ : " الَّذِينَ ظَلَمُوا " أَيْ الَّذِي أَشْرَكُوا ; فَ " الَّذِينَ ظَلَمُوا " بَدَل مِنْ الْوَاو فِي " أَسَرُّوا " وَهُوَ عَائِد عَلَى النَّاس الْمُتَقَدِّم ذِكْرهمْ ; وَلَا يُوقَف عَلَى هَذَا الْقَوْل عَلَى " النَّجْوَى " . قَالَ الْمُبَرِّد وَهُوَ كَقَوْلِك : إِنَّ الَّذِينَ فِي الدَّار اِنْطَلَقُوا بَنُو عَبْد اللَّه فَبَنُو بَدَل مِنْ الْوَاو فِي اِنْطَلَقُوا . وَقِيلَ : هُوَ رُفِعَ عَلَى الذَّمّ , أَيْ هُمْ الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَقِيلَ : عَلَى حَذْف الْقَوْل ; التَّقْدِير : يَقُول الَّذِينَ ظَلَمُوا وَحُذِفَ الْقَوْل ; مِثْل " وَالْمَلَائِكَة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلّ بَاب سَلَام عَلَيْكُمْ " [ الرَّعْد : 23 - 24 ] . وَاخْتَارَ هَذَا الْقَوْل النَّحَّاس ; قَالَ : وَالدَّلِيل عَلَى صِحَّة هَذَا الْجَوَاب أَنَّ بَعْده " هَلْ هَذَا إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ " [ الْأَنْبِيَاء : 3 ] . وَقَوْل رَابِع : يَكُون مَنْصُوبًا بِمَعْنَى أَعْنِي الَّذِينَ ظَلَمُوا . وَأَجَازَ الْفَرَّاء أَنْ يَكُون خَفْضًا بِمَعْنَى اِقْتَرَبَ لِلنَّاسِ الَّذِينَ ظَلَمُوا حِسَابهمْ ; وَلَا يُوقَف عَلَى هَذَا الْوَجْه عَلَى " النَّجْوَى " وَيُوقَف عَلَى الْوَجْه الْمُتَقَدِّمَة الثَّلَاثَة قَبْله ; فَهَذِهِ خَمْسَة أَقْوَال . وَأَجَازَ الْأَخْفَش الرَّفْع عَلَى لُغَة مَنْ قَالَ : أَكَلُونِي الْبَرَاغِيث ; وَهُوَ حَسَن ; قَالَ اللَّه تَعَالَى : " ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِير مِنْهُمْ " [ الْمَائِدَة : 71 ] . وَقَالَ الشَّاعِر : بَلْ نَالَ النِّضَال دُون الْمَسَاعِي فَاهْتَدَيْنَ النِّبَال لِلْأَغْرَاضِ وَقَالَ آخَر : وَلَكِنْ دِيَافِيّ أَبُوهُ وَأُمّه بِحَوْرَانَ يَعْصِرْنَ السَّلِيط أَقَارِبه وَقَالَ الْكِسَائِيّ : فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير ; مَجَازه : وَاَلَّذِينَ ظَلَمُوا أَسَرُّوا النَّجْوَى أَبُو عُبَيْدَة : " أَسَرُّوا " هُنَا مِنْ الْأَضْدَاد ; فَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا أَخْفَوْا كَلَامهمْ , وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُونُوا أَظْهَرُوهُ وَأَعْلَنُوهُ .







أَيْ تَنَاجَوْا بَيْنهمْ وَقَالُوا : هَلْ هَذَا الذِّكْر الَّذِي هُوَ الرَّسُول , أَوْ هَلْ هَذَا الَّذِي يَدْعُوكُمْ إِلَّا بَشَر مِثْلكُمْ , لَا يَتَمَيَّز عَنْكُمْ بِشَيْءٍ , يَأْكُل الطَّعَام , وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاق كَمَا تَفْعَلُونَ . وَمَا عَلِمُوا أَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ لَا يَجُوز أَنْ يُرْسِل إِلَيْهِمْ إِلَّا بَشَرًا لِيَتَفَهَّمُوا وَيُعَلِّمهُمْ .





أَيْ إِنَّ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سِحْر , فَكَيْفَ تَجِيئُونَ إِلَيْهِ وَتَتَّبِعُونَهُ ؟ فَأَطْلَعَ اللَّه نَبِيّه عَلَيْهِ السَّلَام عَلَى مَا تَنَاجَوْا بِهِ . وَ " السِّحْر " فِي اللُّغَة كُلّ مُمَوَّه لَا حَقِيقَة لَهُ وَلَا صِحَّة .





أَنَّهُ إِنْسَان مِثْلكُمْ مِثْل : " وَأَنْتُمْ تَعْقِلُونَ " لِأَنَّ الْعَقْل الْبَصَر بِالْأَشْيَاءِ . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ; أَفَتَقْبَلُونَ السِّحْر وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ سِحْر . وَقِيلَ : الْمَعْنَى ; أَفَتَعْدِلُونَ إِلَى الْبَاطِل وَأَنْتُمْ تَعْرِفُونَ الْحَقّ ; وَمَعْنَى الْكَلَام التَّوْبِيخ .