سورة الفرقان تفسير القرطبي الآية 7
وَقَالُواْ مَالِ هَٰذَا ٱلرَّسُولِ يَأْكُلُ ٱلطَّعَامَ وَيَمْشِى فِى ٱلْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَآ أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌۭ فَيَكُونَ مَعَهُۥ نَذِيرًا ﴿٧﴾

سورة الفرقان تفسير القرطبي

فِيهِ مَسْأَلَتَانِ :



الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : " وَقَالُوا " ذَكَرَ شَيْئًا آخَر مِنْ مَطَاعِنهمْ . وَالضَّمِير فِي " قَالُوا " لِقُرَيْشٍ ; وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانَ لَهُمْ مَعَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِس مَشْهُور , . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي " سُبْحَان " ذَكَرَهُ اِبْن إِسْحَاق فِي السِّيرَة وَغَيْره . مُضَمِّنه - أَنَّ سَادَتهمْ عُتْبَة بْن رَبِيعَة وَغَيْره اِجْتَمَعُوا مَعَهُ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّد ! إِنْ كُنْت تُحِبّ الرِّيَاسَة وَلَّيْنَاك عَلَيْنَا , وَإِنْ كُنْت تُحِبّ الْمَال جَمَعْنَا لَك مِنْ أَمْوَالنَا ; فَلَمَّا أَبَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ رَجَعُوا فِي بَاب الِاحْتِجَاج مَعَهُ فَقَالُوا : مَا بَالُك وَأَنْتَ رَسُول اللَّه تَأْكُل الطَّعَام , وَتَقِف بِالْأَسْوَاقِ ! فَعَيَّرُوهُ بِأَكْلِ الطَّعَام ; لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَكُون الرَّسُول مَلَكًا , وَعَيَّرُوهُ بِالْمَشْيِ فِي الْأَسْوَاق حِين رَأَوْا الْأَكَاسِرَة وَالْقَيَاصِرَة وَالْمُلُوك الْجَبَابِرَة يَتَرَفَّعُونَ عَنْ الْأَسْوَاق , وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يُخَالِطهُمْ فِي أَسْوَاقهمْ , وَيَأْمُرهُمْ وَيَنْهَاهُمْ ; فَقَالُوا : هَذَا يَطْلُب أَنْ يَتَمَلَّك عَلَيْنَا , فَمَا لَهُ يُخَالِف سِيرَة الْمُلُوك ; فَأَجَابَهُمْ اللَّه بِقَوْلِهِ , وَأَنْزَلَ عَلَى نَبِيّه : " وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلك مِنْ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَام وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاق " [ الْفُرْقَان : 20 ] فَلَا تَغْتَمّ وَلَا تَحْزَن , فَإِنَّهَا شَكَاة ظَاهِر عَنْك عَارهَا .



الثَّانِيَة : دُخُول الْأَسْوَاق مُبَاح لِلتِّجَارَةِ وَطَلَب الْمَعَاش . وَكَانَ عَلَيْهِ السَّلَام يُدْخِلهَا لِحَاجَتِهِ , وَلِتَذْكِرَةِ الْخَلْق بِأَمْرِ اللَّه وَدَعْوَته , وَيَعْرِض نَفْسه فِيهَا عَلَى الْقَبَائِل , لَعَلَّ اللَّه أَنْ يَرْجِع بِهِمْ إِلَى الْحَقّ . وَفِي الْبُخَارِيّ فِي صِفَته عَلَيْهِ السَّلَام : " لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظ وَلَا سَخَّاب فِي الْأَسْوَاق " . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْأَعْرَاف



وَذِكْر السُّوق مَذْكُور فِي غَيْر مَا حَدِيث , ذَكَرَهُ أَهْل الصَّحِيح . وَتِجَارَة الصَّحَابَة فِيهَا مَعْرُوفَة , وَخَاصَّة الْمُهَاجِرِينَ ; كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَة : وَإِنَّ إِخْوَاننَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلهُمْ الصَّفْق بِالْأَسْوَاقِ ; خَرَّجَهُ الْبُخَارِيّ . وَسَيَأْتِي لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة زِيَادَة بَيَان فِي هَذِهِ السُّورَة إِنْ شَاءَ اللَّه .



أَيْ هَلَّا .



جَوَاب الِاسْتِفْهَام .