سورة آل عمران تفسير القرطبي الآية 46
وَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِى ٱلْمَهْدِ وَكَهْلًۭا وَمِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ﴿٤٦﴾

سورة آل عمران تفسير القرطبي

عَطْف عُلَى " وَجِيهًا " قَالَهُ الْأَخْفَش أَيْضًا .







مَضْجَع الصَّبِيّ فِي رَضَاعه . وَمَهَّدْت الْأَمْر هَيَّأْته وَوَطَّأْته . وَفِي التَّنْزِيل " فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ " [ الرُّوم : 44 ] . وَامْتَهَدَ الشَّيْء اِرْتَفَعَ كَمَا يُمْتَهَد سَنَام الْبَعِير .







الْكَهْل بَيْنَ حَال الْغُلُومَة وَحَال الشَّيْخُوخَة . وَامْرَأَة كَهْلَة . وَاكْتَهَلَتْ الرَّوْضَة إِذَا عَمّهَا النُّور . يَقُول : يُكَلِّم النَّاس فِي الْمَهْد آيَة , وَيُكَلِّمهُمْ كَهْلًا بِالْوَحْيِ وَالرِّسَالَة . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس : كَلَّمَهُمْ فِي الْمَهْد حِينَ بَرَّأَ أُمّه فَقَالَ : " إِنِّي عَبْد اللَّه " [ مَرْيَم : 30 ] الْآيَة . وَأَمَّا كَلَامه وَهُوَ كَهْل فَإِذَا أَنْزَلَهُ اللَّه تَعَالَى مِنْ السَّمَاء أَنْزَلَهُ عَلَى صُورَة اِبْن ثَلَاث وَثَلَاثِينَ سَنَة وَهُوَ الْكَهْل فَيَقُول لَهُمْ : " إِنِّي عَبْد اللَّه " كَمَا قَالَ فِي الْمَهْد . فَهَاتَانِ آيَتَانِ وَحُجَّتَانِ . قَالَ الْمَهْدَوِيّ : وَفَائِدَة الْآيَة أَنَّهُ أَعْلَمَهُمْ أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَام يُكَلِّمهُمْ فِي الْمَهْد وَيَعِيش إِلَى أَنْ يُكَلِّمهُمْ كَهْلًا , إِذْ كَانَتْ الْعَادَة أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي الْمَهْد لَمْ يَعِشْ . قَالَ الزَّجَّاج : " وَكَهْلًا " بِمَعْنَى وَيُكَلِّم النَّاس كَهْلًا . وَقَالَ الْفَرَّاء وَالْأَخْفَش : هُوَ مَعْطُوف عَلَى " وَجِيهًا " . وَقِيلَ : الْمَعْنَى وَيُكَلِّم النَّاس صَغِيرًا وَكَهْلًا . وَرَوَى اِبْن جُرَيْج عَنْ مُجَاهِد قَالَ : الْكَهْل الْحَلِيم . قَالَ النَّحَّاس : هَذَا لَا يُعْرَف فِي اللُّغَة , وَإِنَّمَا الْكَهْل عِنْد أَهْل اللُّغَة مَنْ نَاهَزَ الْأَرْبَعِينَ . وَقَالَ بَعْضهمْ : يُقَال لَهُ حَدَث إِلَى سِتّ عَشْرَة سَنَة . ثُمَّ شَابّ إِلَى اِثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ . ثُمَّ يَكْتَهِل فِي ثَلَاث وَثَلَاثِينَ ; قَالَهُ الْأَخْفَش .





عَطْف عَلَى " وَجِيهًا " أَيْ وَهُوَ مِنْ الْعُبَّاد الصَّالِحِينَ . ذَكَرَ أَبُو بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة حَدَّثَنَا عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس عَنْ حُصَيْن عَنْ هِلَال بْن يِسَاف . قَالَ : لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة : عِيسَى وَصَاحِب يُوسُف وَصَاحِب جُرَيْج , كَذَا قَالَ : " وَصَاحِب يُوسُف " . وَهُوَ فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : ( لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة عِيسَى اِبْن مَرْيَم وَصَاحِب جُرَيْج وَصَاحِب الْجَبَّار وَبَيْنَا صَبِيّ يَرْضَع مِنْ أُمّه ) وَذَكَرَ الْحَدِيث , بِطُولِهِ . وَقَدْ جَاءَ مِنْ حَدِيث صُهَيْب فِي قِصَّة الْأُخْدُود ( أَنَّ اِمْرَأَة جِيءَ بِهَا لِتُلْقَى فِي النَّار عَلَى إِيمَانهَا وَمَعَهَا صَبِيّ ) . فِي غَيْر كِتَاب مُسْلِم ( يَرْضَع فَتَقَاعَسَتْ أَنْ تَقَع فِيهَا فَقَالَ الْغُلَام يَا أُمّه اِصْبِرِي فَإِنَّك عَلَى الْحَقّ ) . وَقَالَ الضَّحَّاك : تَكَلَّمَ فِي الْمَهْد سِتَّة : شَاهِد يُوسُف وَصَبِيّ مَاشِطَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن وَعِيسَى وَيَحْيَى وَصَاحِب جُرَيْج وَصَاحِب الْجَبَّار . وَلَمْ يَذْكُر الْأُخْدُود , فَأَسْقَطَ صَاحِب الْأُخْدُود وَبِهِ يَكُون الْمُتَكَلِّمُونَ سَبْعَة . وَلَا مُعَارَضَة بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( لَمْ يَتَكَلَّم فِي الْمَهْد إِلَّا ثَلَاثَة ) بِالْحَصْرِ فَإِنَّهُ أَخْبَرَ بِمَا كَانَ فِي عِلْمه مِمَّا أُوحِيَ إِلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَال , ثُمَّ بَعْد هَذَا أَعْلَمَهُ اللَّه تَعَالَى بِمَا شَاءَ مِنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ بِهِ .



قُلْت : أَمَّا صَاحِب يُوسُف فَيَأْتِي الْكَلَام فِيهِ , وَأَمَّا صَاحِب جُرَيْج وَصَاحِب الْجَبَّار وَصَاحِب الْأُخْدُود فَفِي صَحِيح مُسْلِم . وَسَتَأْتِي قِصَّة الْأُخْدُود فِي سُورَة " الْبُرُوج " إِنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى . وَأَمَّا صَبِيّ مَاشِطَة اِمْرَأَة فِرْعَوْن , فَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( لَمَّا أُسْرِيَ بِي سِرْت فِي رَائِحَة طَيِّبَة فَقُلْت مَا هَذِهِ الرَّائِحَة قَالُوا مَاشِطَة اِبْنَة فِرْعَوْن وَأَوْلَادهَا سَقَطَ مُشْطهَا مِنْ يَدَيْهَا فَقَالَتْ : بِسْمِ اللَّه فَقَالَتْ اِبْنَة فِرْعَوْن : أَبِي ؟ قَالَتْ : رَبِّي وَرَبّك وَرَبّ أَبِيك . قَالَتْ : أَوَلَك رَبّ غَيْر أَبِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ رَبِّي وَرَبّك وَرَبّ أَبِيك اللَّه - قَالَ - فَدَعَاهَا فِرْعَوْن فَقَالَ : أَلَك رَبّ غَيْرِي ؟ قَالَتْ : نَعَمْ رَبِّي وَرَبّك اللَّه - قَالَ - فَأَمَرَ بِنُقْرَةٍ مِنْ نُحَاس فَأُحْمِيَتْ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا لِتُلْقَى فِيهَا قَالَتْ : إِنَّ لِي إِلَيْك حَاجَة قَالَ : مَا هِيَ ؟ قَالَتْ : تَجْمَع عِظَامِي وَعِظَام وَلَدِي فِي مَوْضِع وَاحِد قَالَ : ذَاكَ لَك لِمَا لَك عَلَيْنَا مِنْ الْحَقّ . فَأَمَرَ بِهِمْ فَأُلْقُوا وَاحِدًا بَعْد وَاحِد حَتَّى بَلَغَ رَضِيعًا فِيهِمْ فَقَالَ قَعِي يَا أُمّه وَلَا تَقَاعَسِي فَإِنَّا عَلَى الْحَقّ - قَالَ - وَتَكَلَّمَ أَرْبَعَة وَهُمْ صِغَار : هَذَا وَشَاهِد يُوسُف وَصَاحِب جُرَيْج وَعِيسَى ابْن مَرْيَم .