سورة الروم تفسير القرطبي الآية 18
وَلَهُ ٱلْحَمْدُ فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَعَشِيًّۭا وَحِينَ تُظْهِرُونَ ﴿١٨﴾

سورة الروم تفسير القرطبي

اِعْتِرَاض بَيْن الْكَلَام بِدُءُوبِ الْحَمْد عَلَى نِعَمه وَآلَائِهِ . وَقِيلَ : مَعْنَى " وَلَهُ الْحَمْد " أَيْ الصَّلَاة لَهُ لِاخْتِصَاصِهَا بِقِرَاءَةِ الْحَمْد . وَالْأَوَّل أَظْهَر ; فَإِنَّ الْحَمْد لِلَّهِ مِنْ نَوْع تَعْظِيم اللَّه تَعَالَى وَالْحَضّ عَلَى عِبَادَته وَدَوَام نِعْمَته ; فَيَكُون نَوْعًا آخَر خِلَاف الصَّلَاة , وَاَللَّه أَعْلَم . وَبَدَأَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِب لِأَنَّ اللَّيْل يَتَقَدَّم النَّهَار . وَفَى سُورَة " الْإِسْرَاء " بَدَأَ بِصَلَاةِ الظُّهْر إِذْ هِيَ أَوَّل صَلَاة صَلَّاهَا جِبْرِيل بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . الْمَاوَرْدِيّ : وَخَصَّ صَلَاة اللَّيْل بِاسْمِ التَّسْبِيح وَصَلَاة النَّهَار بِاسْمِ الْحَمْد لِأَنَّ لِلْإِنْسَانِ فِي النَّهَار مُتَقَلَّبًا فِي أَحْوَال تُوجِب حَمْد اللَّه تَعَالَى عَلَيْهَا , وَفِي اللَّيْل عَلَى خَلْوَة تُوجِب تَنْزِيه اللَّه مِنْ الْأَسْوَاء فِيهَا ; فَلِذَلِكَ صَارَ الْحَمْد بِالنَّهَارِ أَخَصّ فَسُمِّيَتْ بِهِ صَلَاة النَّهَار , وَالتَّسْبِيح بِاللَّيْلِ أَخَصّ فَسُمِّيَتْ بِهِ صَلَاة اللَّيْل .



قَرَأَ عِكْرِمَة " حِينًا تُمْسُونَ وَحِينًا تُصْبِحُونَ " وَالْمَعْنَى : حِينًا تُمْسُونَ فِيهِ وَحِينًا تُصْبِحُونَ فِيهِ ; فَحُذِفَ " فِيهِ " تَخْفِيفًا , وَالْقَوْل فِيهِ كَالْقَوْلِ فِي " وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْس عَنْ نَفْس شَيْئًا " [ الْبَقَرَة : 48 ] .







قَالَ الْجَوْهَرِيّ : الْعِشِيّ وَالْعَشِيَّة مِنْ صَلَاة الْمَغْرِب إِلَى الْعَتَمَة ; تَقُول : أَتَيْته عَشِيَّة أَمْس وَعَشِيّ أَمْس . وَتَصْغِير الْعَشِيّ : عُشَيَّان , عَلَى غَيْر قِيَاس مُكَبَّره ; كَأَنَّهُمْ صَغَّرُوا عَشْيَانًا , وَالْجَمْع عُشَيَّانَات . وَقِيلَ أَيْضًا فِي تَصْغِيره : عُشَيْشِيَان , وَالْجَمْع عُشَيْشِيَات . وَتَصْغِير الْعَشِيَّة عُشَيْشِيَّة , وَالْجَمْع عُشَيْشِيَات . وَالْعِشَاء ( بِالْكَسْرِ وَالْمَدّ ) مِثْل الْعَشِيّ . وَالْعِشَاءَانِ الْمَغْرِب وَالْعَتَمَة . وَزَعَمَ قَوْم أَنَّ الْعِشَاء مِنْ زَوَال الشَّمْس إِلَى طُلُوع الْفَجْر , وَأَنْشَدُوا : غَدَوْنَا غَدْوَة سَحَرًا بِلَيْلٍ عِشَاء بَعْدَمَا اِنْتَصَفَ النَّهَار الْمَاوَرْدِيّ : وَالْفَرْق بَيْن الْمَسَاء وَالْعِشَاء : أَنَّ الْمَسَاء بُدُوّ الظَّلَام بَعْد الْمَغِيب , وَالْعِشَاء آخِر النَّهَار عِنْد مَيْل الشَّمْس لِلْمَغِيبِ , وَهُوَ مَأْخُوذ مِنْ عَشَا الْعَيْن وَهُوَ نَقْص النُّور مِنْ النَّاظِر كَنَقْصِ نُور الشَّمْس .