سورة الصافات تفسير الطبري الآية 51
قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ إِنِّى كَانَ لِى قَرِينٌۭ ﴿٥١﴾

سورة الصافات تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { قَالَ قَائِل مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : قَالَ قَائِل مِنْ أَهْل الْجَنَّة إِذْ أَقْبَلَ بَعْضهمْ عَلَى بَعْض يَتَسَاءَلُونَ : { إِنِّي كَانَ لِي قَرِين } فَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي الْقَرِين الَّذِي ذُكِرَ فِي هَذَا الْمَوْضِع , فَقَالَ بَعْضهمْ : كَانَ ذَلِكَ الْقَرِين شَيْطَانًا , وَهُوَ الَّذِي كَانَ يَقُول لَهُ : { أَإِنَّك لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ } بِالْبَعْثِ بَعْد الْمَمَات. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22520 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم , قَالَ : ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنْ اِبْن أَبِي نَجِيح عَنْ مُجَاهِد فِي قَوْل اللَّه : { إِنِّي كَانَ لِي قَرِين } قَالَ : شَيْطَان. وَقَالَ آخَرُونَ : ذَلِكَ الْقَرِين شَرِيك كَانَ لَهُ مِنْ بَنِي آدَم أَوْ صَاحِب ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 22521 -حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن سَعْد , قَالَ : ثني أَبِي , قَالَ : ثني عَمِّي , قَالَ : ثني أَبِي , عَنْ أَبِيهِ , عَنْ اِبْن عَبَّاس , قَوْله : { قَالَ قَائِل مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِين يَقُول أَإِنَّك لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ } قَالَ : هُوَ الرَّجُل الْمُشْرِك يَكُون لَهُ الصَّاحِب فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْل الْإِيمَان , فَيَقُول لَهُ الْمُشْرِك : إِنَّك لَتُصَدِّق بِأَنَّك مَبْعُوث مِنْ بَعْد الْمَوْت أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا ؟ فَلَمَّا أَنْ صَارُوا إِلَى الْآخِرَة وَأُدْخِلَ الْمُؤْمِن الْجَنَّة , وَأُدْخِلَ الْمُشْرِك النَّار , فَاطَّلَعَ الْمُؤْمِن , فَرَأَى صَاحِبه فِي سَوَاء الْجَحِيم { قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْت لَتُرْدِينِ } 22522 - حَدَّثَنِي إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم بْن حَبِيب بْن الشَّهِيد , قَالَ : ثنا عَتَّاب بْن بَشِير , عَنْ خُصَيْف , عَنْ فُرَات بْن ثَعْلَبَة الْبَهْرَانِيّ فِي قَوْله : { إِنِّي كَانَ لِي قَرِين } قَالَ : إِنَّ رَجُلَيْنِ كَانَا شَرِيكَيْنِ , فَاجْتُمِعَ لَهُمَا ثَمَانِيَة آلَاف دِينَار , وَكَانَ أَحَدهمَا لَهُ حِرْفَة , وَالْآخَر لَيْسَ لَهُ حِرْفَة , فَقَالَ الَّذِي لَهُ حِرْفَة لِلْآخَرِ : لَيْسَ لَك حِرْفَة , مَا أَرَانِي إِلَّا مُفَارِقك وَمُقَاسِمك , فَقَاسَمَهُ وَفَارَقَهُ ; ثُمَّ إِنَّ الرَّجُل اِشْتَرَى دَارًا بِأَلْفِ دِينَار كَانَتْ لِمَلِكٍ قَدْ مَاتَ فَدَعَا صَاحِبه فَأَرَاهُ , فَقَالَ : كَيْفَ تَرَى هَذِهِ الدَّار اِبْتَعْتهَا بِأَلْفِ دِينَار ؟ قَالَ : مَا أَحْسَنَهَا ; فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ : اللَّهُمَّ إِنَّ صَاحِبِي هَذَا قَدْ اِبْتَاعَ هَذِهِ الدَّار بِأَلْفِ دِينَار , وَإِنِّي أَسْأَلك دَارًا مِنْ دُور الْجَنَّة , فَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِينَار ; ثُمَّ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَمْكُث , ثُمَّ إِنَّهُ تَزَوَّجَ اِمْرَأَة بِأَلْفِ دِينَار , فَدَعَاهُ وَصَنَعَ لَهُ طَعَامًا ; فَلَمَّا أَتَاهُ قَالَ : إِنِّي تَزَوَّجْت هَذِهِ الْمَرْأَة بِأَلْفِ دِينَار ; قَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا ; فَلَمَّا اِنْصَرَفَ قَالَ : يَا رَبّ إِنَّ صَاحِبِي تَزَوَّجَ اِمْرَأَة بِأَلْفِ دِينَار , وَإِنِّي أَسْأَلك اِمْرَأَة مِنْ الْحُور الْعِين , فَتَصَدَّقَ بِأَلْفِ دِينَار ; ثُمَّ إِنَّهُ مَكَثَ مَا شَاءَ اللَّه أَنْ يَمْكُث , ثُمَّ اِشْتَرَى بُسْتَانَيْنِ بِأَلْفَيْ دِينَار , ثُمَّ دَعَاهُ فَأَرَاهُ , فَقَالَ : إِنِّي اِبْتَعْت هَذَيْنِ الْبُسْتَانَيْنِ , فَقَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا ; فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ : يَا رَبّ إِنَّ صَاحِبِي قَدْ اِشْتَرَى بُسْتَانَيْنِ بِأَلْفَيْ دِينَار , وَأَنَا أَسْأَلك بُسْتَانَيْنِ مِنْ الْجَنَّة , فَتَصَدَّقَ بِأَلْفَيْ دِينَار ; ثُمَّ إِنَّ الْمَلَك أَتَاهُمَا فَتَوَفَّاهُمَا ; ثُمَّ اِنْطَلَقَ بِهَذَا الْمُتَصَدِّق فَأَدْخَلَهُ دَارًا تُعْجِبهُ , فَإِذَا اِمْرَأَة تَطْلُع يُضِيء مَا تَحْتهَا مِنْ حُسْنهَا , ثُمَّ أَدْخَلَهُ بُسْتَانَيْنِ , وَشَيْئًا اللَّه بِهِ عَلِيم , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : مَا أَشْبَهَ هَذَا بِرَجُلٍ كَانَ مِنْ أَمْره كَذَا وَكَذَا . قَالَ : فَإِنَّهُ ذَاكَ , وَلَك هَذَا الْمَنْزِل وَالْبُسْتَانَانِ وَالْمَرْأَة . قَالَ : فَإِنَّهُ كَانَ لِي صَاحِب يَقُول : { أَإِنَّك لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ } قِيلَ لَهُ : فَإِنَّهُ فِي الْجَحِيم , قَالَ : فَهَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ؟ فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاء الْجَحِيم , فَقَالَ عِنْد ذَلِكَ : { تَاللَّهِ إِنْ كِدْت لَتُرْدِينِ وَلَوْلَا نِعْمَة رَبِّي لَكُنْت مِنْ الْمُحْضَرِينَ } . الْآيَات . وَهَذَا التَّأْوِيل الَّذِي تَأَوَّلَهُ فُرَات بْن ثَعْلَبَة يُقَوِّي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَ " إِنَّك لَمِنْ الْمُصَدِّقِينَ " بِتَشْدِيدِ الصَّاد بِمَعْنَى : لَمِنْ الْمُتَصَدِّقِينَ , لِأَنَّهُ يُذْكَر أَنَّ اللَّه تَعَالَى ذِكْره إِنَّمَا أَعْطَاهُ مَا أَعْطَاهُ عَلَى الصَّدَقَة لَا عَلَى التَّصْدِيق , وَقِرَاءَة قُرَّاء الْأَمْصَار عَلَى خِلَاف ذَلِكَ , بَلْ قِرَاءَتهَا بِتَخْفِيفِ الصَّاد وَتَشْدِيد الدَّال , بِمَعْنَى : إِنْكَار قَرِينه عَلَيْهِ التَّصْدِيق أَنَّهُ يُبْعَث بَعْد الْمَوْت , كَأَنَّهُ قَالَ : أَتُصَدِّقُ بِأَنَّك تُبْعَث بَعْد مَمَاتك , وَتُجْزَى بِعَمَلِك , وَتُحَاسَب ؟ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ قَوْل اللَّه : { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ } وَهِيَ الْقِرَاءَة الصَّحِيحَة عِنْدنَا الَّتِي لَا يَجُوز خِلَافهَا لِإِجْمَاعِ الْحُجَّة مِنْ الْقُرَّاء عَلَيْهَا.