الرئيسية
القرآن الكريم
التفاسير
اللغات
الرئيسية
تفسير القرطبي
ص
الآية 34
سورة ص تفسير القرطبي الآية 34
اختر سوره
اختر سوره
الفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونس
هود
يوسف
الرعد
إبراهيم
الحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريم
طه
الأنبياء
الحج
المؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوت
الروم
لقمان
السجدة
الأحزاب
سبأ
فاطر
يس
الصافات
ص
الزمر
غافر
فصلت
الشورى
الزخرف
الدخان
الجاثية
الأحقاف
محمد
الفتح
الحجرات
ق
الذاريات
الطور
النجم
القمر
الرحمن
الواقعة
الحديد
المجادلة
الحشر
الممتحنة
الصف
الجمعة
المنافقون
التغابن
الطلاق
التحريم
الملك
القلم
الحاقة
المعارج
نوح
الجن
المزمل
المدثر
القيامة
الإنسان
المرسلات
النبأ
النازعات
عبس
التكوير
الانفطار
المطففين
الانشقاق
البروج
الطارق
الأعلى
الغاشية
الفجر
البلد
الشمس
الليل
الضحى
الشرح
التين
العلق
القدر
البينة
الزلزلة
العاديات
القارعة
التكاثر
العصر
الهمزة
الفيل
قريش
الماعون
الكوثر
الكافرون
النصر
المسد
الإخلاص
الفلق
الناس
اختر رقم الآية
اختر رقم الآية
1
2
3
4
5
6
7
8
9
10
11
12
13
14
15
16
17
18
19
20
21
22
23
24
25
26
27
28
29
30
31
32
33
34
35
36
37
38
39
40
41
42
43
44
45
46
47
48
49
50
51
52
53
54
55
56
57
58
59
60
61
62
63
64
65
66
67
68
69
70
71
72
73
74
75
76
77
78
79
80
81
82
83
84
85
86
87
88
اختر التفسير
اختر التفسير
تفسير ابن كثير
تفسير الجلالين
تفسير الطبري
تفسير القرطبي
تفسير السعدي
المشاركه
وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَٰنَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِۦ جَسَدًۭا ثُمَّ أَنَابَ
﴿٣٤﴾
سورة
ص
تفسير القرطبي
قِيلَ : فُتِنَ سُلَيْمَان بَعْد مَا مَلَكَ عِشْرِينَ سَنَة , وَمَلَكَ بَعْد الْفِتْنَة عِشْرِينَ سَنَة ; ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ . وَ " فَتَنَّا " أَيْ اِبْتَلَيْنَا وَعَاقَبْنَا . وَسَبَب ذَلِكَ مَا رَوَاهُ سَعِيد بْن جُبَيْر عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : اِخْتَصَمَ إِلَى سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام فَرِيقَانِ أَحَدهمَا مِنْ أَهْل جَرَادَة اِمْرَأَة سُلَيْمَان ; وَكَانَ يُحِبُّهَا فَهَوَى أَنْ يَقَع الْقَضَاء لَهُمْ , ثُمَّ قَضَى بَيْنهمَا بِالْحَقِّ , فَأَصَابَهُ الَّذِي أَصَابَهُ عُقُوبَة لِذَلِكَ الْهَوَى . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : إِنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام اِحْتَجَبَ عَنْ النَّاس ثَلَاثَة أَيَّام لَا يَقْضِي بَيْن أَحَد , وَلَا يُنْصِف مَظْلُومًا مِنْ ظَالِم , فَأَوْحَى اللَّه تَعَالَى إِلَيْهِ : " إِنِّي لَمْ أَسْتَخْلِفْك لِتَحْتَجِبَ عَنْ عِبَادِي وَلَكِنْ لِتَقْضِيَ بَيْنهمْ وَتُنْصِف مَظْلُومَهُمْ " . وَقَالَ شَهْر بْن حَوْشَب وَوَهْب بْن مُنَبِّه : إِنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام سَبَى بِنْت مَلِكٍ غَزَاهُ فِي الْبَحْر , فِي جَزِيرَة مِنْ جَزَائِر الْبَحْر يُقَال لَهَا صِيدُون . فَأُلْقِيَتْ عَلَيْهِ مَحَبَّتهَا , وَهِيَ تُعْرِضُ عَنْهُ , لَا تَنْظُر إِلَيْهِ إِلَّا شَزْرًا , وَلَا تُكَلِّمُهُ إِلَّا نَزْرًا , وَكَانَ لَا يُرْقَأُ لَهَا دَمْعٌ حُزْنًا عَلَى أَبِيهَا , وَكَانَتْ فِي غَايَة مِنْ الْجَمَال , ثُمَّ إِنَّهَا سَأَلَتْهُ أَنْ يَصْنَع لَهَا تِمْثَالًا عَلَى صُورَة أَبِيهَا حَتَّى تَنْظُرَ إِلَيْهِ , فَأَمَرَ فَصُنِعَ لَهَا فَعَظَّمَتْهُ وَسَجَدَتْ لَهُ , وَسَجَدَتْ مَعَهَا جَوَارِيهَا , وَصَارَ صَنَمًا مَعْبُودًا فِي دَارِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَم , حَتَّى مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَة , وَفَشَا خَبَره فِي بَنِي إِسْرَائِيل وَعَلِمَ بِهِ سُلَيْمَان فَكَسَرَهُ , وَحَرَقَهُ ثُمَّ ذَرَّاهُ فِي الْبَحْر . وَقِيلَ : إِنَّ سُلَيْمَان لَمَّا أَصَابَ اِبْنَة مَلِكِ صِيدُون وَاسْمهَا جَرَادَة - فِيمَا ذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ - أُعْجِبَ بِهَا , فَعَرَضَ عَلَيْهَا الْإِسْلَام فَأَبَتْ , فَخَوَّفَهَا فَقَالَتْ : اُقْتُلْنِي وَلَا أُسْلِمُ فَتَزَوَّجَهَا وَهِيَ مُشْرِكَة فَكَانَتْ تَعْبُدُ صَنَمًا لَهَا مِنْ يَاقُوت أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي خُفْيَة مِنْ سُلَيْمَان إِلَى أَنْ أَسْلَمَتْ فَعُوقِبَ سُلَيْمَان بِزَوَالِ مُلْكِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا . وَقَالَ كَعْب الْأَحْبَار : إِنَّهُ لَمَّا ظَلَمَ الْخَيْل بِالْقَتْلِ سُلِبَ مُلْكَهُ . وَقَالَ الْحَسَن : إِنَّهُ قَارَبَ بَعْض نِسَائِهِ فِي شَيْء مِنْ حَيْض أَوَغَيْره . وَقِيلَ : إِنَّهُ أُمِرَ أَلَّا يَتَزَوَّج اِمْرَأَة إِلَّا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل , فَتَزَوَّجَ اِمْرَأَة مِنْ غَيْرِهِمْ , فَعُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ ; وَاَللَّه أَعْلَم .
قِيلَ : شَيْطَان فِي قَوْل أَكْثَر أَهْل التَّفْسِير ; أَلْقَى اللَّه شَبَهَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام عَلَيْهِ , وَاسْمه صَخْر بْن عُمَيْر صَاحِب الْبَحْر , وَهُوَ الَّذِي دَلَّ سُلَيْمَان عَلَى الْمَاس حِين أَمَرَ سُلَيْمَان بِبِنَاءِ بَيْت الْمَقْدِس , فَصَوَّتَتْ الْحِجَارَة لَمَّا صُنِعَتْ بِالْحَدِيدِ , فَأَخَذُوا الْمَاس فَجَعَلُوا يَقْطَعُونَ بِهِ الْحِجَارَة وَالْفُصُوص وَغَيْرهَا وَلَا تُصَوِّت . قَالَ اِبْن عَبَّاس : كَانَ مَارِدًا لَا يَقْوَى عَلَيْهِ جَمِيع الشَّيَاطِين , وَلَمْ يَزَلْ يَحْتَال حَتَّى ظَفِرَ بِخَاتَمِ سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ , وَكَانَ سُلَيْمَان لَا يَدْخُل الْكَنِيف بِخَاتَمِهِ , فَجَاءَ صَخْر فِي صُورَة سُلَيْمَان حَتَّى أَخَذَ الْخَاتَم مِنْ اِمْرَأَة مِنْ نِسَاء سُلَيْمَان أُمّ وَلَد لَهُ يُقَال لَهَا الْأَمِينَة ; قَالَ شَهْر وَوَهْب . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَابْن جُبَيْر : اِسْمهَا جَرَادَة . فَقَامَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عَلَى مُلْك سُلَيْمَان وَسُلَيْمَان هَارِب , حَتَّى رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ الْخَاتَم وَالْمُلْك . وَقَالَ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب : كَانَ سُلَيْمَان قَدْ وَضَعَ خَاتَمه تَحْت فِرَاشه , فَأَخَذَهُ الشَّيْطَان مِنْ تَحْته . وَقَالَ مُجَاهِد : أَخَذَهُ الشَّيْطَان مِنْ يَد سُلَيْمَان ; لِأَنَّ سُلَيْمَان سَأَلَ الشَّيْطَان وَكَانَ اِسْمه آصف : كَيْف تُضِلُّونَ النَّاس ؟ فَقَالَ لَهُ الشَّيْطَان : أَعْطِنِي خَاتَمَك حَتَّى أُخْبِرَك . فَأَعْطَاهُ خَاتَمه , فَلَمَّا أَخَذَ الشَّيْطَان الْخَاتَم جَلَسَ عَلَى كُرْسِيّ سُلَيْمَان , مُتَشَبِّهًا بِصُورَتِهِ , دَاخِلًا عَلَى نِسَائِهِ , يَقْضِي بِغَيْرِ الْحَقّ , وَيَأْمُر بِغَيْرِ الصَّوَاب . وَاخْتُلِفَ فِي إِصَابَته لِنِسَاءِ سُلَيْمَان , فَحُكِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس وَوَهْب بْن مُنَبِّه : أَنَّهُ كَانَ يَأْتِيهِنَّ فِي حَيْضِهِنَّ . وَقَالَ مُجَاهِد : مُنِعَ مِنْ إِتْيَانِهِنَّ وَزَالَ عَنْ سُلَيْمَان مُلْكُهُ فَخَرَجَ هَارِبًا إِلَى سَاحِل الْبَحْر يَتَضَيَّفُ النَّاس ; وَيَحْمِلُ سُمُوكَ الصَّيَّادِينَ بِالْأَجْرِ , وَإِذَا أَخْبَرَ النَّاس أَنَّهُ سُلَيْمَان أَكْذَبُوهُ . قَالَ قَتَادَة : ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَان بَعْد أَنْ اِسْتَنْكَرَ بَنُو إِسْرَائِيل حُكْم الشَّيْطَان أَخَذَ حُوتَهُ مِنْ صَيَّاد . قِيلَ : إِنَّهُ اِسْتَطْعَمَهَا . وَقَالَ اِبْن عَبَّاس : أَخَذَهَا أُجْرَة فِي حَمْل حُوت . وَقِيلَ : إِنَّ سُلَيْمَان صَادَهَا فَلَمَّا شَقَّ بَطْنهَا وَجَدَ خَاتَمَهُ فِيهَا , وَذَلِكَ بَعْد أَرْبَعِينَ يَوْمًا مِنْ زَوَال مُلْكه , وَهِيَ عَدَد الْأَيَّام الَّتِي عُبِدَ فِيهَا الصَّنَم فِي دَاره , وَإِنَّمَا وَجَدَ الْخَاتَم فِي بَطْن الْحُوت ; لِأَنَّ الشَّيْطَان الَّذِي أَخَذَهُ أَلْقَاهُ فِي الْبَحْر . وَقَالَ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : بَيْنَمَا سُلَيْمَان عَلَى شَاطِئ الْبَحْر وَهُوَ يَعْبَث بِخَاتَمِهِ , إِذْ سَقَطَ مِنْهُ فِي الْبَحْر وَكَانَ مُلْكه فِي خَاتَمه . وَقَالَ جَابِر بْن عَبْد اللَّه : قَالَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( كَانَ نَقْش خَاتَم سُلَيْمَان بْن دَاوُدَ لَا إِلَه إِلَّا اللَّه مُحَمَّد رَسُول اللَّه ) . وَحَكَى يَحْيَى بْن أَبِي عَمْرو الشَّيْبَانِيّ أَنَّ سُلَيْمَان وَجَدَ خَاتَمه بِعَسْقَلَان , فَمَشَى مِنْهَا إِلَى بَيْت الْمَقْدِس تَوَاضُعًا لِلَّهِ تَعَالَى . قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيْره : ثُمَّ إِنَّ سُلَيْمَان لَمَّا رَدَّ اللَّه عَلَيْهِ مُلْكَهُ , أَخَذَ صَخْرًا الَّذِي أَخَذَ خَاتَمه , وَنَقَرَ لَهُ صَخْرَة وَأَدْخَلَهُ فِيهَا , وَسَدَّ عَلَيْهِ بِأُخْرَى وَأَوْثَقَهَا بِالْحَدِيدِ وَالرَّصَاص , وَخَتَمَ عَلَيْهَا بِخَاتَمِهِ وَأَلْقَاهَا فِي الْبَحْر , وَقَالَ : هَذَا مَحْبِسُك إِلَى يَوْم الْقِيَامَة . وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : لَمَّا أَخَذَ سُلَيْمَان الْخَاتَم , أَقْبَلَتْ إِلَيْهِ الشَّيَاطِين وَالْجِنّ وَالْإِنْس وَالطَّيْر وَالْوَحْش وَالرِّيح , وَهَرَبَ الشَّيْطَان الَّذِي خَلَفَ فِي أَهْله , فَأَتَى جَزِيرَة فِي الْبَحْر , فَبَعَثَ إِلَيْهِ الشَّيَاطِين فَقَالُوا : لَا نَقْدِرُ عَلَيْهِ , وَلَكِنَّهُ يَرِدُ عَيْنًا فِي الْجَزِيرَة فِي كُلّ سَبْعَة أَيَّام يَوْمًا , وَلَا نَقْدِر عَلَيْهِ حَتَّى يَسْكَر ! قَالَ : فَنَزَحَ سُلَيْمَان مَاءَهَا وَجَعَلَ فِيهَا خَمْرًا , فَجَاءَ يَوْم وُرُودِهِ فَإِذَا هُوَ بِالْخَمْرِ , فَقَالَ : وَاَللَّه إِنَّك لَشَرَاب طَيِّب إِلَّا أَنَّك تُطِيشِينَ الْحَلِيم , وَتَزِيدِينَ الْجَاهِل جَهْلًا . ثُمَّ عَطِشَ عَطَشًا شَدِيدًا ثُمَّ أَتَاهُ فَقَالَ مِثْل مَقَالَته , ثُمَّ شَرِبَهَا فَغَلَبَتْ عَلَى عَقْله ; فَأَرَوْهُ الْخَاتَم فَقَالَ : سَمْعًا وَطَاعَة . فَأَتَوْا بِهِ سُلَيْمَان فَأَوْثَقَهُ وَبَعَثَ بِهِ إِلَى جَبَل , فَذَكَرُوا أَنَّهُ جَبَل الدُّخَان فَقَالُوا : إِنَّ الدُّخَان الَّذِي تَرَوْنَ مِنْ نَفَسِهِ , وَالْمَاء الَّذِي يَخْرُج مِنْ الْجَبَل مِنْ بَوْله . وَقَالَ مُجَاهِد : اِسْم ذَلِكَ الشَّيْطَان آصف . وَقَالَ السُّدِّيّ اِسْمه حبقيق ; فَاَللَّه أَعْلَم . وَقَدْ ضُعِّفَ هَذَا الْقَوْل مِنْ حَيْثُ إِنَّ الشَّيْطَان لَا يَتَصَوَّر بِصُورَةِ الْأَنْبِيَاء , ثُمَّ مِنْ الْمُحَال أَنْ يَلْتَبِسَ عَلَى أَهْل مَمْلَكَة سُلَيْمَان الشَّيْطَان بِسُلَيْمَان حَتَّى يَظُنُّوا أَنَّهُمْ مَعَ نَبِيّهمْ فِي حَقّ , وَهُمْ مَعَ الشَّيْطَان فِي بَاطِل . وَقِيلَ : إِنَّ الْجَسَد وَلَدٌ وُلِدَ لِسُلَيْمَان , وَأَنَّهُ لَمَّا وُلِدَ اِجْتَمَعَتْ الشَّيَاطِين ; وَقَالَ بَعْضهمْ لِبَعْضٍ : إِنْ عَاشَ لَهُ اِبْن لَمْ نَنْفَكَّ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ مِنْ الْبَلَاء وَالسُّخْرَة , فَتَعَالَوْا نَقْتُلْ وَلَدَهُ أَوْ نَخْبِلْهُ . فَعَلِمَ سُلَيْمَان بِذَلِكَ فَأَمَرَ الرِّيح حَتَّى حَمَلَتْهُ إِلَى السَّحَاب , وَغَدَا اِبْنه فِي السَّحَاب خَوْفًا مِنْ مَضَرَّة الشَّيَاطِين , فَعَاقَبَهُ اللَّه بِخَوْفِهِ مِنْ الشَّيَاطِين , فَلَمْ يَشْعُر إِلَّا وَقَدْ وَقَعَ عَلَى كُرْسِيّه مَيِّتًا . قَالَ مَعْنَاهُ الشَّعْبِيّ . فَهُوَ الْجَسَد الَّذِي قَالَ اللَّه تَعَالَى : " وَالْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيّه جَسَدًا " . وَحَكَى النَّقَّاش وَغَيْره : إِنَّ أَكْثَر مَا وَطِئَ سُلَيْمَان جَوَارِيَهُ طَلَبًا لِلْوَلَدِ , فَوُلِدَ لَهُ نِصْف إِنْسَان , فَهُوَ كَانَ الْجَسَد الْمُلْقَى عَلَى كُرْسِيِّهِ جَاءَتْ بِهِ الْقَابِلَة فَأَلْقَتْهُ هُنَاكَ . وَفِي صَحِيح الْبُخَارِيّ وَمُسْلِم عَنْ أَبِي هُرَيْرَة قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( قَالَ سُلَيْمَان لَأَطُوفَنَّ اللَّيْلَة عَلَى تِسْعِينَ اِمْرَأَة كُلّهنَّ تَأْتِي بِفَارِسٍ يُجَاهِد فِي سَبِيل اللَّه فَقَالَ لَهُ صَاحِبه قُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه , فَلَمْ يَقُلْ إِنْ شَاءَ اللَّه فَطَافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنْهُنَّ إِلَّا اِمْرَأَة وَاحِدَة جَاءَتْ بِشِقِّ رَجُل , وَاَيْمُ الَّذِي نَفْس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَوْ قَالَ إِنْ شَاءَ اللَّه لَجَاهَدُوا فِي سَبِيل اللَّه فُرْسَانًا أَجْمَعُونَ ) وَقِيلَ : إِنَّ الْجَسَد هُوَ آصف بْن برخيا الصِّدِّيق كَاتِب سُلَيْمَان , وَذَلِكَ أَنَّ سُلَيْمَان لَمَّا فُتِنَ سَقَطَ الْخَاتَم مِنْ يَده وَكَانَ فِيهِ مُلْكه , فَأَعَادَهُ إِلَى يَده فَسَقَطَ فَأَيْقَنَ بِالْفِتْنَةِ ; فَقَالَ لَهُ آصف : إِنَّك مَفْتُون وَلِذَلِكَ لَا يَتَمَاسَك فِي يَدك , فَفِرَّ إِلَى اللَّه تَعَالَى تَائِبًا مِنْ ذَلِكَ , وَأَنَا أَقُوم مَقَامَك فِي عَالَمِك إِلَى أَنْ يَتُوب اللَّه عَلَيْك , وَلَك مِنْ حِين فُتِنْت أَرْبَعَة عَشَرَ يَوْمًا . فَفَرَّ سُلَيْمَان هَارِبًا إِلَى رَبّه , وَأَخَذَ آصف الْخَاتَم فَوَضَعَهُ فِي يَده فَثَبَتَ , وَكَانَ عِنْده عِلْم مِنْ الْكِتَاب . وَقَامَ آصف فِي مُلْك سُلَيْمَان وَعِيَاله , يَسِير بِسَيْرِهِ وَيَعْمَل بِعَمَلِهِ , إِلَى أَنْ رَجَعَ سُلَيْمَان إِلَى مَنْزِله تَائِبًا إِلَى اللَّه تَعَالَى , وَرَدَّ اللَّه عَلَيْهِ مُلْكه ; فَأَقَامَ آصف فِي مَجْلِسه , وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيّه وَأَخَذَ الْخَاتَم . وَقِيلَ : إِنَّ الْجَسَد كَانَ سُلَيْمَان نَفْسه ; وَذَلِكَ أَنَّهُ مَرِضَ مَرَضًا شَدِيدًا حَتَّى صَارَ جَسَدًا . وَقَدْ يُوصَف بِهِ الْمَرِيض الْمُضْنَى فَيُقَال : كَالْجَسَدِ الْمُلْقَى . صِفَة كُرْسِيّ سُلَيْمَان وَمُلْكه : رُوِيَ عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : كَانَ سُلَيْمَان يُوضَع لَهُ سِتُّمِائَةِ كُرْسِيّ , ثُمَّ يَجِيء أَشْرَاف النَّاس فَيَجْلِسُونَ مِمَّا يَلِيهِ , ثُمَّ يَأْتِي أَشْرَاف الْجِنّ فَيَجْلِسُونَ مِمَّا يَلِي الْإِنْس , ثُمَّ يَدْعُو الطَّيْر فَتُظِلّهُمْ , ثُمَّ يَدْعُو الرِّيح فَتُقِلُّهُمْ , وَتَسِير بِالْغَدَاةِ الْوَاحِدَة مَسِيرَة شَهْر . وَقَالَ وَهْب وَكَعْب وَغَيْرهمَا : إِنَّ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام لَمَّا مَلَكَ بَعْد أَبِيهِ , أَمَرَ بِاِتِّخَاذِ كُرْسِيّ لِيَجْلِس عَلَيْهِ لِلْقَضَاءِ , وَأَمَرَ أَنْ يُعْمَل بَدِيعًا مَهُولًا بِحَيْثُ إِذَا رَأْهُ مُبْطِل أَوْ شَاهِد زُور اِرْتَدَعَ وَتَهَيَّبَ ; فَأَمَرَ أَنْ يُعْمَل مِنْ أَنْيَاب الْفِيَلَةِ مُفَصَّصَة بِالدُّرِّ وَالْيَاقُوت وَالزَّبَرْجَد , وَأَنْ يُحَفَّ بِنَخِيلِ الذَّهَب ; فَحُفَّ بِأَرْبَعِ نَخَلَات مِنْ ذَهَبٍ , شَمَارِيخُهَا الْيَاقُوت الْأَحْمَر وَالزُّمُرُّد الْأَخْضَر , عَلَى رَأْس نَخْلَتَيْنِ مِنْهُمَا طَاوُوسَانِ مِنْ ذَهَبٍ , وَعَلَى رَأْس نَخْلَتَيْنِ نِسْرَانِ مِنْ ذَهَب بَعْضهَا مُقَابِل لِبَعْضٍ , وَجَعَلُوا مِنْ جَنْبَيْ الْكُرْسِيّ أَسَدَيْنِ مِنْ ذَهَب , عَلَى رَأْس كُلّ وَاحِد مِنْهُمَا عَمُود مِنْ الزُّمُرُّد الْأَخْضَر . وَقَدْ عَقَدُوا عَلَى النَّخَلَات أَشْجَار كُرُوم مِنْ الذَّهَب الْأَحْمَر , وَاِتَّخَذُوا عَنَاقِيدَهَا مِنْ الْيَاقُوت الْأَحْمَر , بِحَيْثُ أَظَلَّ عَرِيش الْكُرُوم النَّخْل وَالْكُرْسِيّ . وَكَانَ سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام إِذَا أَرَادَ صُعُوده وَضَعَ قَدَمَيْهِ عَلَى الدَّرَجَة السُّفْلَى , فَيَسْتَدِير الْكُرْسِيّ كُلّه بِمَا فِيهِ دَوَرَان الرَّحَى الْمُسْرِعَة , وَتَنْشُرُ تِلْكَ النُّسُور وَالطَّوَاوِيس أَجْنِحَتَهَا , وَيَبْسُط الْأَسَدَانِ أَيْدِيَهُمَا , وَيَضْرِبَانِ الْأَرْض بِأَذْنَابِهِمَا . وَكَذَلِكَ يَفْعَل فِي كُلّ دَرَجَة يَصْعَدهَا سُلَيْمَان , فَإِذَا اِسْتَوَى بِأَعْلَاهُ أَخَذَ النِّسْرَانِ اللَّذَانِ عَلَى النَّخْلَتَيْنِ تَاج سُلَيْمَان فَوَضَعَاهُ عَلَى رَأْسه , ثُمَّ يَسْتَدِير الْكُرْسِيّ بِمَا فِيهِ , وَيَدُور مَعَهُ النِّسْرَانِ وَالطَّاوُوسَانِ وَالْأَسَدَانِ مَائِلَانِ بِرُءُوسِهِمَا إِلَى سُلَيْمَان , وَيَنْضَحْنَ عَلَيْهِ مِنْ أَجْوَافِهِنَّ الْمِسْك وَالْعَنْبَر , ثُمَّ تُنَاوِلُهُ حَمَامَة مِنْ ذَهَب قَائِمَة عَلَى عَمُود مِنْ أَعْمِدَة الْجَوَاهِر فَوْق الْكُرْسِيّ التَّوْرَاة , فَيَفْتَحهَا سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام وَيَقْرَؤُهَا عَلَى النَّاس وَيَدْعُوهُمْ إِلَى فَصْل الْقَضَاء . قَالُوا : وَيَجْلِس عُظَمَاء بَنِي إِسْرَائِيل عَلَى كَرَاسِيّ الذَّهَب الْمُفَصَّصَة بِالْجَوَاهِرِ , وَهِيَ أَلْف كُرْسِيّ عَنْ يَمِينه , وَيَجْلِس عُظَمَاء الْجِنّ عَلَى كَرَاسِيّ الْفِضَّة عَنْ يَسَاره وَهِيَ أَلْف كُرْسِيّ , ثُمَّ تَحُفّ بِهِمْ الطَّيْر تُظِلّهُمْ , وَيَتَقَدَّم النَّاس لِفَصْلِ الْقَضَاء . فَإِذَا تَقَدَّمَتْ الشُّهُود لِلشَّهَادَاتِ , دَارَ الْكُرْسِيّ بِمَا فِيهِ وَعَلَيْهِ دَوَرَانَ الرَّحَى الْمُسْرِعَة , وَيَبْسُط الْأَسَدَانِ أَيْدِيَهُمَا وَيَضْرِبَانِ الْأَرْض بِأَذْنَابِهِمَا , وَيَنْشُر النِّسْرَانِ وَالطَّاوُوسَانِ أَجْنِحَتَهُمَا , فَتَفْزَعُ الشُّهُود فَلَا يَشْهَدُونَ إِلَّا بِالْحَقِّ . وَقِيلَ : إِنَّ الَّذِي كَانَ يَدُور بِذَلِكَ الْكُرْسِيّ تِنِّينٌ مِنْ ذَهَب ذَلِكَ الْكُرْسِيّ عَلَيْهِ , وَهُوَ عَظْم مِمَّا عَمِلَهُ لَهُ صَخْر الْجِنِّيّ ; فَإِذَا أَحَسَّتْ بِدَوَرَانِهِ تِلْكَ النُّسُورُ وَالْأُسْد وَالطَّوَاوِيس الَّتِي فِي أَسْفَل الْكُرْسِيّ إِلَى أَعْلَاهُ دُرْنَ مَعَهُ , فَإِذَا وَقَفْنَ وَقَفْنَ كُلّهنَّ عَلَى رَأْس سُلَيْمَان , وَهُوَ جَالِس , ثُمَّ يَنْضَحْنَ جَمِيعًا عَلَى رَأْسه مَا فِي أَجْوَافِهِنَّ مِنْ الْمِسْك وَالْعَنْبَر . فَلَمَّا تُوُفِّيَ سُلَيْمَان بَعَثَ بُخْتُنَصَّر فَأَخَذَ الْكُرْسِيّ فَحَمَلَهُ إِلَى أَنْطَاكِيَة , فَأَرَادَ أَنْ يَصْعَد إِلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِلْم كَيْف يَصْعَد إِلَيْهِ ; فَلَمَّا وَضَعَ رَجُله ضَرَبَ الْأَسَد رِجْلَهُ فَكَسَرَهَا , وَكَانَ سُلَيْمَان إِذَا صَعِدَ وَضَعَ قَدَمَيْهِ جَمِيعًا . وَمَاتَ بُخْتُنَصَّر وَحُمِلَ الْكُرْسِيّ إِلَى بَيْت الْمَقْدِس , فَلَمْ يَسْتَطِعْ قَطُّ مَلِك أَنْ يَجْلِس عَلَيْهِ , وَلَكِنْ لَمْ يَدْرِ أَحَد عَاقِبَة أَمْره وَلَعَلَّهُ رُفِعَ .
أَيْ رَجَعَ إِلَى اللَّه وَتَابَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ .