سورة فصلت تفسير الطبري الآية 22
وَمَا كُنتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَن يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَآ أَبْصَٰرُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَٰكِن ظَنَنتُمْ أَنَّ ٱللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًۭا مِّمَّا تَعْمَلُونَ ﴿٢٢﴾

سورة فصلت تفسير الطبري

{ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } فِي الدُّنْيَا { أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ } يَوْم الْقِيَامَة { سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ وَلَا جُلُودكُمْ } . وَاخْتَلَفَ أَهْل التَّأْوِيل فِي مَعْنَى قَوْله : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } , فَقَالَ بَعْضهمْ : مَعْنَاهُ : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ. ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23533 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن , قَالَ : ثنا أَحْمَد بْن الْمُفَضَّل , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنِ السُّدِّيّ { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } : أَيْ تَسْتَخْفُونَ مِنْهَا . وَقَالَ آخَرُونَ : مَعْنَاهُ : وَمَا كُنْتُمْ تَتَّقُونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23534 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَمْرو , قَالَ : ثنا أَبُو عَاصِم ثنا عِيسَى ; وَحَدَّثَنِي الْحَارِث , قَالَ : ثنا الْحَسَن , قَالَ : ثنا وَرْقَاء , جَمِيعًا عَنِ ابْن أَبِي نَجِيح , عَنْ مُجَاهِد , قَوْله : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } قَالَ : تَتَّقُونَ . وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23535 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ } يَقُول : وَمَا كُنْتُمْ تَظُنُّونَ { أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } حَتَّى بَلَغَ { كَثِيرًا مِمَّا } كُنْتُمْ { تَعْمَلُونَ } , وَاللَّه إِنَّ عَلَيْك يَا ابْن آدَم لَشُهُودًا غَيْر مُتَّهَمَة مِنْ بَدَنك , فَرَاقِبْهُمْ وَاتَّقِ اللَّه فِي سِرّ أَمْرك وَعَلَانِيَتك , فَإِنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَة , الظُّلْمَةُ عِنْده ضَوْءٌ , وَالسِّرُّ عِنْده عَلَانِيَةٌ , فَمَنْ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوت وَهُوَ بِاللَّهِ حَسَن الظَّنّ فَلْيَفْعَلْ , وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّهِ . وَأَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْل مَنْ قَالَ : مَعْنَى ذَلِكَ : وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَخْفُونَ , فَتَتْرُكُوا رُكُوب مَحَارِم اللَّه فِي الدُّنْيَا حَذَرًا أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَأَبْصَاركُمُ الْيَوْم , وَإِنَّمَا قُلْنَا ذَلِكَ أَوْلَى الْأَقْوَال فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ ; لِأَنَّ الْمَعْرُوف مِنْ مَعَانِي الِاسْتِتَار الِاسْتِخْفَاء. فَإِنْ قَالَ قَائِل : وَكَيْفَ يَسْتَخْفِي الْإِنْسَان عَنْ نَفْسه مِمَّا يَأْتِي ؟ قِيلَ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْأَمَانِي , وَفِي تَرْكه إِتْيَانه إِخْفَاؤُهُ عَنْ نَفْسه . وَذُكِرَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَة نَزَلَتْ مِنْ أَجْل نَفَر تَدَارَءُوا بَيْنهمْ فِي عِلْم اللَّه بِمَا يَقُولُونَهُ وَيَتَكَلَّمُونَ سِرًّا . ذِكْر الْخَبَر بِذَلِكَ . 23536 - حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن يَحْيَى الْقَطْعِيّ , قَالَ : ثنا أَبُو دَاوُد , قَالَ : ثنا قَيْس , عَنْ مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر الْأَزْدِيّ , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : كُنْت مُسْتَتِرًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة , فَدَخَلَ ثَلَاثَة نَفَر , ثَقَفِيَّانِ وَقُرَشِيّ , أَوْ قُرَشِيَّانِ وَثَقَفِيّ , كَثِير شُحُوم بُطُونهمَا , قَلِيل فِقْه قُلُوبهمَا , فَتَكَلَّمُوا بِكَلَامٍ لَمْ أَفْهَمهُ , فَقَالَ أَحَدهمْ : أَتَرَوْنَ أَنَّ اللَّه يَسْمَع مَا نَقُول ؟ فَقَالَ الرَّجُلَانِ : إِذَا رَفَعْنَا أَصْوَاتنَا سَمِعَ , وَإِذَا لَمْ نَرْفَع لَمْ يَسْمَع , فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرْت لَهُ ذَلِكَ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } . .. إِلَى آخِر الْآيَة . * - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى بْن سَعِيد , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثني الْأَعْمَش , عَنْ عُمَارَة بْن عُمَيْر , عَنْ وَهْب بْن رَبِيعَة , عَنْ عَبْد اللَّه بْن مَسْعُود , قَالَ : إِنِّي لَمُسْتَتِرٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَة , إِذْ دَخَلَ ثَلَاثَة نَفَر , ثَقَفِيّ وَخَتَنَاهُ قُرَشِيَّانِ , قَلِيل فِقْه قُلُوبهمَا , كَثِير شُحُوم بُطُونهمَا , فَتَحَدَّثُوا بَيْنهمْ بِحَدِيثٍ , فَقَالَ أَحَدهمْ : أَتَرَى اللَّه يَسْمَع مَا قُلْنَا ؟ فَقَالَ الْآخَر : إِنَّهُ يَسْمَع إِذَا رَفَعْنَا , وَلَا يَسْمَع إِذَا خَفَضْنَا , وَقَالَ الْآخَر : إِذَا كَانَ يَسْمَع مِنْهُ شَيْئًا فَهُوَ يَسْمَعهُ كُلّه , قَالَ : فَأَتَيْت رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ , فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } . .. حَتَّى بَلَغَ { وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ } . * - حَدَّثَنَا ابْن بَشَّار , قَالَ : ثنا يَحْيَى , قَالَ : ثنا سُفْيَان , قَالَ : ثني مَنْصُور , عَنْ مُجَاهِد , عَنْ أَبِي مَعْمَر , عَنْ عَبْد اللَّه بِنَحْوِهِ.





وَقَوْله : { وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّه لَا يَعْلَم كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } يَقُول جَلَّ ثَنَاؤُهُ : وَلَكِنْ حَسِبْتُمْ حِين رَكِبْتُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ مَعَاصِي اللَّه أَنَّ اللَّه لَا يَعْلَم كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ أَعْمَالكُمُ الْخَبِيثَة , فَلِذَلِكَ لَمْ تَسْتَتِرُوا أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَأَبْصَاركُمْ وَجُلُودكُمْ , فَتَتْرُكُوا رُكُوب مَا حَرَّمَ اللَّه عَلَيْكُمْ .