سورة فصلت تفسير الطبري الآية 23
وَذَٰلِكُمْ ظَنُّكُمُ ٱلَّذِى ظَنَنتُم بِرَبِّكُمْ أَرْدَىٰكُمْ فَأَصْبَحْتُم مِّنَ ٱلْخَٰسِرِينَ ﴿٢٣﴾

سورة فصلت تفسير الطبري

الْقَوْل فِي تَأْوِيل قَوْله تَعَالَى : { وَذَلِكُمْ ظَنّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } يَقُول تَعَالَى ذِكْره : وَهَذَا الَّذِي كَانَ مِنْكُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ ظَنّكُمْ أَنَّ اللَّه لَا يَعْلَم كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ مِنْ قَبَائِح أَعْمَالكُمْ وَمَسَاوِئِهَا , هُوَ ظَنّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ فِي الدُّنْيَا أَرْدَاكُمْ , يَعْنِي أَهْلَكَكُمْ . يُقَال مِنْهُ : أَرْدَى فُلَانًا كَذَا وَكَذَا : إِذَا أَهْلَكَهُ , وَرَدِيَ هُوَ : إِذَا هَلَكَ , فَهُوَ يَرْدَى رَدًى ; وَمِنْهُ قَوْل الْأَعْشَى : أَفِي الطَّوْف خِفْت عَلَيَّ الرَّدَى وَكَمْ مِنْ رَدٍ أَهْلَهُ لَمْ يَرِمْ يَعْنِي : وَكَمْ مِنْ هَالِك أَهْله لَمْ يَرِم . وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْل التَّأْوِيل . ذِكْر مَنْ قَالَ ذَلِكَ : 23537 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد , قَالَ : ثنا أَحْمَد , قَالَ : ثنا أَسْبَاط , عَنْ السُّدِّيّ , قَوْله : { أَرْدَاكُمْ } قَالَ : أَهْلَكَكُمْ . 23538 - حَدَّثَنَا ابْن عَبْد الْأَعْلَى , قَالَ : ثنا مُحَمَّد بْن ثَوْر , عَنْ مَعْمَر , قَالَ : تَلَا الْحَسَن : { وَذَلِكُمْ ظَنّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } فَقَالَ : إِنَّمَا عَمَل النَّاس عَلَى قَدْر ظُنُونهمْ بِرَبِّهِمْ ; فَأَمَّا الْمُؤْمِن فَأَحْسَنَ بِاللَّهِ الظَّنّ , فَأَحْسَنَ الْعَمَل ; وَأَمَّا الْكَافِر وَالْمُنَافِق , فَأَسَاءَا الظَّنّ فَأَسَاءَا الْعَمَل , قَالَ رَبّكُمْ : { وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَد عَلَيْكُمْ سَمْعكُمْ وَلَا أَبْصَاركُمْ } . .. حَتَّى بَلَغَ : الْخَاسِرِينَ . قَالَ مَعْمَر : وَحَدَّثَنِي رَجُل : أَنَّهُ يُؤْمَر بِرَجُلٍ إِلَى النَّار , فَيَلْتَفِت فَيَقُول : يَا رَبّ مَا كَانَ هَذَا ظَنِّي بِك , قَالَ : وَمَا كَانَ ظَنّك بِي ؟ قَالَ : كَانَ ظَنِّي أَنْ تَغْفِر لِي وَلَا تُعَذِّبنِي , قَالَ : فَإِنِّي عِنْد ظَنّك بِي . 23539 - حَدَّثَنَا بِشْر , قَالَ : ثنا يَزِيد , قَالَ : ثنا سَعِيد , عَنْ قَتَادَة , قَالَ : الظَّنّ ظَنَّانِ , فَظَنّ مُنْجٍ , وَظَنّ مُرْدٍ قَالَ : { الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبّهمْ } 2 46 قَالَ { إِنِّي ظَنَنْت أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابَيْهِ } , 69 20 وَهَذَا الظَّنّ الْمُنْجِي ظَنًّا يَقِينًا , وَقَالَ هَا هُنَا : { وَذَلِكُمْ ظَنّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ } هَذَا ظَنّ مُرْدٍ . وَقَوْله : { وَقَالَ الْكَافِرُونَ إِنْ نَظُنّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ } وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ نَبِيّ اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُول وَيَرْوِي ذَلِكَ عَنْ رَبّه : " عَبْدِي عِنْد ظَنّه بِي , وَأَنَا مَعَهُ إِذَا دَعَانِي " , وَمَوْضِع قَوْله : { ذَلِكُمْ } رَفْع بِقَوْلِهِ ظَنّكُمْ , وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ , كَانَ قَوْله : { أَرْدَاكُمْ } فِي مَوْضِع نَصْب بِمَعْنَى : مُرْدِيًا لَكُمْ , وَقَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون فِي مَوْضِع رَفْع بِالِاسْتِئْنَافِ , بِمَعْنَى : مُرْدٍ لَكُمْ , كَمَا قَالَ : { تِلْكَ آيَات الْكِتَاب الْحَكِيم هُدًى وَرَحْمَة } 31 2 : 3 فِي قِرَاءَة مَنْ قَرَأَهُ بِالرَّفْعِ . فَمَعْنَى الْكَلَام : هَذَا الظَّنّ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَعْلَم كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ هُوَ الَّذِي أَهْلَكَكُمْ ; لِأَنَّكُمْ مِنْ أَجْل هَذَا الظَّنّ اجْتَرَأْتُمْ عَلَى مَحَارِم اللَّه فَقَدِمْتُمْ عَلَيْهَا , وَرَكِبْتُمْ مَا نَهَاكُمْ اللَّه عَنْهُ , فَأَهْلَكَكُمْ ذَلِكَ وَأَرْدَاكُمْ .



يَقُول : فَأَصْبَحْتُمُ الْيَوْم مِنَ الْهَالِكِينَ , قَدْ غُبِنْتُمْ بِبَيْعِكُمْ مَنَازِلكُمْ مِنَ الْجَنَّة بِمَنَازِل أَهْل الْجَنَّة مِنْ النَّار .