سورة التحريم تفسير القرطبي الآية 2
قَدْ فَرَضَ ٱللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَٰنِكُمْ ۚ وَٱللَّهُ مَوْلَىٰكُمْ ۖ وَهُوَ ٱلْعَلِيمُ ٱلْحَكِيمُ ﴿٢﴾

سورة التحريم تفسير القرطبي

تَحْلِيل الْيَمِين كَفَّارَتهَا . أَيْ إِذَا أَحْبَبْتُمْ اِسْتِبَاحَة الْمَحْلُوف عَلَيْهِ , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة " الْمَائِدَة " : " فَكَفَّارَته إِطْعَام عَشَرَة مَسَاكِين " [ الْمَائِدَة : 89 ] . وَيَتَحَصَّل مِنْ هَذَا أَنَّ مَنْ حَرَّمَ شَيْئًا مِنْ الْمَأْكُول وَالْمَشْرُوب لَمْ يُحَرَّم عَلَيْهِ عِنْدنَا , لِأَنَّ الْكَفَّارَة لِلْيَمِينِ لَا لِلتَّحْرِيمِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ . وَأَبُو حَنِيفَة يَرَاهُ يَمِينًا فِي كُلّ شَيْء , وَيَعْتَبِر الِانْتِفَاع الْمَقْصُود فِيمَا يُحَرِّمهُ , فَإِذَا حَرَّمَ طَعَامًا فَقَدْ حَلَفَ عَلَى أَكْله , أَوْ أَمَة فَعَلَى وَطْئِهَا , أَوْ زَوْجَة فَعَلَى الْإِيلَاء مِنْهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّة , وَإِنْ نَوَى الظِّهَار فَظِهَار , وَإِنْ نَوَى الطَّلَاق فَطَلَاق بَائِن . وَكَذَلِكَ إِنْ نَوَى ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا . وَإِنْ قَالَ : نَوَيْت الْكَذِب دُيِّنَ فِيمَا بَيْنه وَبَيْنَ اللَّه تَعَالَى . وَلَا يُدَيَّن فِي الْقَضَاء بِإِبْطَالِ الْإِيلَاء . وَإِنْ قَالَ : كُلّ حَلَال عَلَيْهِ حَرَام ; فَعَلَى الطَّعَام وَالشَّرَاب إِذَا لَمْ يَنْوِ , وَإِلَّا فَعَلَى مَا نَوَى . وَلَا يَرَاهُ الشَّافِعِيّ يَمِينًا وَلَكِنْ سَبَبًا فِي الْكَفَّارَة فِي النِّسَاء وَحْدهنَّ . وَإِنْ نَوَى الطَّلَاق فَهُوَ رَجْعِيّ عِنْده , عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانه . فَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْكُلهُ حَنِثَ وَيَبَرّ بِالْكَفَّارَةِ .



الثَّانِيَة : فَإِنْ حَرَّمَ أَمَته أَوْ زَوْجَته فَكَفَّارَة يَمِين , كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ اِبْن عَبَّاس قَالَ : إِذَا حَرَّمَ الرَّجُل عَلَيْهِ اِمْرَأَته , فَهِيَ يَمِين يُكَفِّرهَا . وَقَالَ : لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُول اللَّه أُسْوَة حَسَنَة . الثَّالِثَة : قِيلَ : إِنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَفَّرَ عَنْ يَمِينه . وَعَنْ الْحَسَن : لَمْ يُكَفِّر , لِأَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبه وَمَا تَأَخَّرَ , وَكَفَّارَة الْيَمِين فِي هَذِهِ السُّورَة إِنَّمَا أَمَرَ بِهَا الْأُمَّة . وَالْأَوَّل أَصَحّ , وَأَنَّ الْمُرَاد بِذَلِكَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ثُمَّ إِنَّ الْأُمَّة تَقْتَدِي بِهِ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ زَيْد بْن أَسْلَمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَام كَفَّرَ بِعِتْقِ رَقَبَة . وَعَنْ مُقَاتِل أَنَّ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْتَقَ رَقَبَة فِي تَحْرِيم مَارِيَة . وَاَللَّه أَعْلَم . وَقِيلَ : أَيْ قَدْ فَرَضَ اللَّه لَكُمْ تَحْلِيل مِلْك الْيَمِين , فَبَيَّنَ فِي قَوْله تَعَالَى : " مَا كَانَ عَلَى النَّبِيّ مِنْ حَرَج فِيمَا فَرَضَ اللَّه لَهُ " [ الْأَحْزَاب : 38 ] أَيْ فِيمَا شَرَعَهُ لَهُ فِي النِّسَاء الْمُحَلَّلَات . أَيْ حَلَّلَ لَكُمْ مِلْك الْأَيْمَان , فَلِمَ تُحَرِّم مَارِيَة عَلَى نَفْسك مَعَ تَحْلِيل اللَّه إِيَّاهَا لَك . وَقِيلَ : تَحِلَّة الْيَمِين الِاسْتِثْنَاء , أَيْ فَرَضَ اللَّه لَكُمْ الِاسْتِثْنَاء الْمُخْرِج عَنْ الْيَمِين . ثُمَّ عِنْد قَوْم يَجُوز الِاسْتِثْنَاء مِنْ الْأَيْمَان مَتَى شَاءَ وَإِنْ تَحَلَّلَ مُدَّة . وَعِنْد الْمُعْظَم لَا يَجُوز إِلَّا مُتَّصِلًا , فَكَأَنَّهُ قَالَ : اِسْتَثْنِ بَعْد هَذَا فِيمَا تَحْلِف عَلَيْهِ . وَتَحِلَّة الْيَمِين تَحْلِيلهَا بِالْكَفَّارَةِ , وَالْأَصْل تَحْلِلَة , فَأُدْغِمَتْ . وَتَفْعِلَة مِنْ مَصَادِر فَعَّلَ ; كَالتَّسْمِيَةِ وَالتَّوْصِيَة . فَالتَّحِلَّة تَحْلِيل الْيَمِين . فَكَأَنَّ الْيَمِين عَقْد وَالْكَفَّارَة حَلّ . وَقِيلَ : التَّحِلَّة الْكَفَّارَة ; أَيْ إِنَّهَا تَحِلّ لِلْحَالِفِ مَا حَرَّمَ عَلَى نَفْسه ; أَيْ إِذَا كَفَّرَ صَارَ كَمَنْ لَمْ يَحْلِف .



وَلِيّكُمْ وَنَاصِركُمْ بِإِزَالَةِ الْحَظْر فِيمَا تُحَرِّمُونَهُ عَلَى أَنْفُسكُمْ , وَبِالتَّرْخِيصِ لَكُمْ فِي تَحْلِيل أَيْمَانكُمْ بِالْكَفَّارَةِ , وَبِالثَّوَابِ عَلَى مَا تُخْرِجُونَهُ فِي الْكَفَّارَة .