سورة الأعراف تفسير القرطبي الآية 163
وَسْـَٔلْهُمْ عَنِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِى كَانَتْ حَاضِرَةَ ٱلْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِى ٱلسَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًۭا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴿١٦٣﴾

سورة الأعراف تفسير القرطبي

أَيْ عَنْ أَهْل الْقَرْيَة ; فَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِهَا لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقَرًّا لَهُمْ أَوْ سَبَب اِجْتِمَاعهمْ . نَظِيره " وَاسْأَلْ الْقَرْيَة الَّتِي كُنَّا فِيهَا " [ يُوسُف : 82 ] . وَقَوْله عَلَيْهِ السَّلَام : ( اِهْتَزَّ الْعَرْش لِمَوْتِ سَعْد بْن مُعَاذ ) يَعْنِي أَهْل الْعَرْش مِنْ الْمَلَائِكَة , فَرَحًا وَاسْتِبْشَارًا بِقُدُومِهِ , رَضِيَ اللَّه عَنْهُ . أَيْ وَاسْأَلْ الْيَهُود الَّذِينَ هُمْ جِيرَانُك عَنْ أَخْبَار أَسْلَافِهِمْ وَمَا مَسَخَ اللَّه مِنْهُمْ قِرَدَة وَخَنَازِير . وَهَذَا سُؤَال تَقْرِير وَتَوْبِيخ . وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَة لِصِدْقِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ; إِذْ أَطْلَعَهُ اللَّه عَلَى تِلْكَ الْأُمُور مِنْ غَيْر تَعَلُّم . وَكَانُوا يَقُولُونَ : نَحْنُ أَبْنَاء اللَّه وَأَحِبَّاؤُهُ , لِأَنَّا مِنْ سِبْط خَلِيله إِبْرَاهِيم , وَمِنْ سِبْط إِسْرَائِيل وَهُمْ بَكْر اللَّه , وَمِنْ سِبْط مُوسَى كَلِيم اللَّه ; وَمِنْ سِبْط وَلَده عُزَيْر , فَنَحْنُ مِنْ أَوْلَادهمْ . فَقَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ : سَلْهُمْ يَا مُحَمَّد عَنْ الْقَرْيَة , أَمَا عَذَّبْتهمْ بِذُنُوبِهِمْ ; وَذَلِكَ بِتَغْيِيرِ فَرْع مِنْ فُرُوع الشَّرِيعَة . وَاخْتُلِفَ فِي تَعْيِين هَذِهِ الْقَرْيَة ; فَقَالَ اِبْن عَبَّاس وَعِكْرِمَة وَالسُّدِّيّ : هِيَ أَيْلَة . وَعَنْ اِبْن عَبَّاس أَيْضًا أَنَّهَا مَدْيَن بَيْن أَيْلَة وَالطُّور . الزُّهْرِيّ : طَبَرِيَّة . قَتَادَة وَزَيْد بْن أَسْلَم : هِيَ سَاحِل مِنْ سَوَاحِل الشَّأْم , بَيْن مَدْيَن وَعَيْنُون , يُقَال لَهَا : مَقْنَاة . وَكَانَ الْيَهُود يَكْتُمُونَ هَذِهِ الْقِصَّة لِمَا فِيهَا مِنْ السُّبَّة عَلَيْهِمْ .





أَيْ كَانَتْ بِقُرْبِ الْبَحْر ; تَقُول : كُنْت بِحَضْرَةِ الدَّار أَيْ بِقُرْبِهَا .





أَيْ يَصِيدُونَ الْحِيتَان , وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ ; يُقَال : سَبَتَ الْيَهُود ; تَرَكُوا الْعَمَل فِي سَبْتِهِمْ . وَسَبَتَ الرَّجُل لِلْمَفْعُولِ سُبَاتًا أَخَذَهُ ذَلِكَ , مِثْل الْخَرَس . وَأَسْبَتَ سَكَنَ فَلَمْ يَتَحَرَّك . وَالْقَوْم صَارُوا فِي السَّبْت . وَالْيَهُود دَخَلُوا فِي السَّبْت , وَهُوَ الْيَوْم الْمَعْرُوف . وَهُوَ مِنْ الرَّاحَة وَالْقَطْع . وَيُجْمَع أَسْبُت وَسُبُوت وَأَسْبَات . وَفِي الْخَبَر عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( مَنْ اِحْتَجَمَ يَوْم السَّبْت فَأَصَابَهُ بَرَص فَلَا يَلُومَن إِلَّا نَفْسه ) . قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَذَلِكَ لِأَنَّ الدَّم يَجْمُد يَوْم السَّبْت , فَإِذَا مَدَدْته لِتَسْتَخْرِجَهُ لَمْ يَجْرِ وَعَادَ بَرَصًا . وَقِرَاءَة الْجَمَاعَة " يَعْدُونَ " . وَقَرَأَ أَبُو نَهِيك " يُعِدُّونَ " بِضَمِّ الْيَاء وَكَسْر الْعَيْن وَشَدّ الدَّال . الْأُولَى مِنْ الِاعْتِدَاء وَالثَّانِيَة مِنْ الْإِعْدَاد ; أَيْ يُهَيِّئُونَ الْآلَة لِأَخْذِهَا . وَقَرَأَ اِبْن السَّمَيْقَع " فِي الْأَسْبَات " عَلَى جَمْع السَّبْت .





وَقُرِئَ " أَسْبَاتِهِمْ " .







أَيْ شَوَارِع ظَاهِرَة عَلَى الْمَاء كَثِيرَة . وَقَالَ اللَّيْث : حِيتَان شُرَّع رَافِعَة رُءُوسهَا . وَقِيلَ : مَعْنَاهُ أَنَّ حِيتَان الْبَحْر كَانَتْ تَرِد يَوْم السَّبْت عُنُقًا مِنْ الْبَحْر فَتُزَاحِم أَيْلَة . أَلْهَمَهَا اللَّه تَعَالَى أَنَّهَا لَا تُصَاد يَوْم السَّبْت ; لِنَهْيِهِ تَعَالَى الْيَهُود عَنْ صَيْدِهَا . وَقِيلَ : إِنَّهَا كَانَتْ تَشْرَع عَلَى أَبْوَابِهِمْ ; كَالْكِبَاشِ الْبِيض رَافِعَة رُءُوسَهَا . حَكَاهُ بَعْض الْمُتَأَخِّرِينَ ; فَتَعْدُو فَأَخَذُوهَا فِي السَّبْت ; قَالَهُ الْحَسَن . وَقِيلَ : يَوْم الْأَحَد , وَهُوَ الْأَصَحّ عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانه .





أَيْ لَا يَفْعَلُونَ السَّبْت ; يُقَال : سَبَتَ يَسْبِت إِذَا عَظَّمَ السَّبْت . وَقَرَأَ الْحَسَن " يُسْبِتُونَ " بِضَمِّ الْيَاء , أَيْ يَدْخُلُونَ فِي السَّبْت ; كَمَا يُقَال : أَجْمَعْنَا وَأَظْهَرْنَا وَأَشْهَرْنَا , أَيْ دَخَلْنَا فِي الْجُمُعَة وَالظُّهْر وَالشَّهْر .





أَيْ حِيتَانهمْ .







أَيْ نُشَدِّدُ عَلَيْهِمْ فِي الْعِبَادَة وَنَخْتَبِرهُمْ . وَالْكَاف فِي مَوْضِع نَصْب .





أَيْ بِفِسْقِهِمْ . وَسُئِلَ الْحُسَيْن بْن الْفَضْل : هَلْ تَجِد فِي كِتَاب اللَّه الْحَلَال لَا يَأْتِيك إِلَّا قُوتًا , وَالْحَرَام يَأْتِيك جَزْفًا جَزْفًا ؟ قَالَ : نَعَمْ , فِي قِصَّة دَاوُد وَأَيْلَة " إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانهمْ يَوْم سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْم لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ " . وَرُوِيَ فِي قَصَص هَذِهِ الْآيَة أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَن دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَام , وَأَنَّ إِبْلِيس أَوْحَى إِلَيْهِمْ فَقَالَ : إِنَّمَا نُهِيتُمْ عَنْ أَخْذِهَا يَوْم السَّبْت , فَاتَّخِذُوا الْحِيَاض ; فَكَانُوا يَسُوقُونَ الْحِيتَان إِلَيْهَا يَوْم الْجُمْعَة فَتَبْقَى فِيهَا , فَلَا يُمْكِنهَا الْخُرُوج مِنْهَا لِقِلَّةِ الْمَاء , فَيَأْخُذُونَهَا يَوْم الْأَحَد . وَرَوَى أَشْهَب عَنْ مَالِك قَالَ : زَعَمَ اِبْن رُومَان أَنَّهُمْ كَانُوا يَأْخُذ الرَّجُل خَيْطًا وَيَضَع فِيهِ وَهَقَة , وَأَلْقَاهَا فِي ذَنَب الْحُوت , وَفِي الطَّرَف الْآخَر مِنْ الْخَيْط وَتِد وَتَرَكَهُ كَذَلِكَ إِلَى الْأَحَد , ثُمَّ تَطَرَّقَ النَّاس حِين رَأَوْا مَنْ صَنَعَ هَذَا لَا يُبْتَلَى حَتَّى كَثُرَ صَيْد الْحُوت , وَمُشِيَ بِهِ فِي الْأَسْوَاق , وَأَعْلَنَ الْفَسَقَة بِصَيْدِهِ ; فَقَامَتْ فِرْقَة مِنْ بَنِي إِسْرَائِيل وَنَهَتْ , وَجَاهَرَتْ بِالنَّهْيِ وَاعْتَزَلَتْ . وَقِيلَ : إِنَّ النَّاهِينَ قَالُوا : لَا نُسَاكِنُكُمْ ; فَقَسَمُوا الْقَرْيَة بِجِدَارٍ . فَأَصْبَحَ النَّاهُونَ ذَات يَوْم فِي مَجَالِسِهِمْ وَلَمْ يَخْرُج مِنْ الْمُعْتَدِينَ أَحَد , فَقَالُوا : إِنَّ لِلنَّاسِ لَشَأْنًا ; فَعَلَوْا عَلَى الْجِدَار فَنَظَرُوا فَإِذَا هُمْ قِرَدَة ; فَفَتَحُوا الْبَاب وَدَخَلُوا عَلَيْهِمْ , فَعَرَفَتْ الْقِرَدَة أَنْسَابهَا مِنْ الْإِنْس , وَلَمْ تَعْرِف الْإِنْس أَنْسَابَهُمْ مِنْ الْقِرَدَة ; فَجَعَلَتْ الْقِرَدَة تَأْتِي نَسِيبَهَا مِنْ الْإِنْس فَتَشُمُّ ثِيَابَهُ وَتَبْكِي ; فَيَقُول : أَلَمْ نَنْهَكُمْ ! فَتَقُول بِرَأْسِهَا نَعَمْ . قَالَ قَتَادَة : صَارَ الشُّبَّان قِرَدَة وَالشُّيُوخ خَنَازِير , فَمَا نَجَا إِلَّا الَّذِينَ نَهَوْا وَهَلَكَ سَائِرهمْ . فَعَلَى هَذَا الْقَوْل إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيل لَمْ تَفْتَرِق إِلَّا فِرْقَتَيْنِ . وَيَكُون الْمَعْنَى فِي قَوْله تَعَالَى