سورة المزمل تفسير القرطبي الآية 2
قُمِ ٱلَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًۭا ﴿٢﴾

سورة المزمل تفسير القرطبي

قِرَاءَة الْعَامَّة بِكَسْرِ الْمِيم لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ . وَقَرَأَ أَبُو السَّمَّال بِضَمِّ الْمِيم إِتْبَاعًا لِضَمَّةِ الْقَاف . وَحَكَى الْفَتْح لِخِفَّتِهِ . قَالَ عُثْمَان بْن جِنِّي : الْغَرَض بِهَذِهِ الْحَرَكَة التَّبْلِيغ بِهَا هَرَبًا مِنْ اِلْتِقَاء السَّاكِنَيْنِ , فَبِأَيِّ حَرَكَة تَحَرَّكَتْ فَقَدْ وَقَعَ الْغَرَض . وَهُوَ مِنْ الْأَفْعَال الْقَاصِرَة غَيْر الْمُتَعَدِّيَة إِلَى مَفْعُول , فَأَمَّا ظَرْف الزَّمَان وَالْمَكَان فَسَائِغ فِيهِ , إِلَّا أَنَّ ظَرْف الْمَكَان لَا يَتَعَدَّى إِلَيْهِ إِلَّا بِوَاسِطَةٍ ; لَا تَقُول : قُمْت الدَّار حَتَّى تَقُول قُمْت وَسَط الدَّار وَخَارِج الدَّار . وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ " قُمْ " هُنَا مَعْنَاهُ صَلِّ ; عُبِّرَ بِهِ عَنْهُ وَاسْتُعِيرَ لَهُ حَتَّى صَارَ عُرْفًا بِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَال .



" اللَّيْل " حَدّ اللَّيْل : مِنْ غُرُوب الشَّمْس إِلَى طُلُوع الْفَجْر . وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانه فِي سُورَة " الْبَقَرَة "



وَاخْتُلِفَ : هَلْ كَانَ قِيَامه فَرْضًا وَحَتْمًا , أَوْ كَانَ نَدْبًا وَحَضًّا ؟ وَالدَّلَائِل تُقَوِّي أَنَّ قِيَامه كَانَ حَتْمًا وَفَرْضًا ; وَذَلِكَ أَنَّ النَّدْب وَالْحَضّ لَا يَقَع عَلَى بَعْض اللَّيْل دُونَ بَعْض ; لِأَنَّ قِيَامه لَيْسَ مَخْصُوصًا بِهِ وَقْتًا دُونَ وَقْت . وَأَيْضًا فَقَدْ جَاءَ التَّوْقِيت بِذَلِكَ عَنْ عَائِشَة وَغَيْرهَا عَلَى مَا يَأْتِي . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا : هَلْ كَانَ فَرْضًا عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحْده , أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى مَنْ كَانَ قَبْله مِنْ الْأَنْبِيَاء , أَوْ عَلَيْهِ وَعَلَى أُمَّته ؟ ثَلَاثَة أَقْوَال :



الْأَوَّل : قَوْل سَعِيد بْن جُبَيْر لِتَوَجُّهِ الْخِطَاب إِلَيْهِ خَاصَّة .



الثَّانِي : قَوْل اِبْن عَبَّاس , قَالَ : كَانَ قِيَام اللَّيْل فَرِيضَة عَلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى الْأَنْبِيَاء قَبْله .



الثَّالِث : قَوْل عَائِشَة وَابْن عَبَّاس أَيْضًا وَهُوَ الصَّحِيح ; كَمَا فِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ زُرَارَةَ بْن أَوْفَى أَنَّ سَعْد بْن هِشَام بْن عَامِر أَرَادَ أَنْ يَغْزُوَ فِي سَبِيل اللَّه . .. الْحَدِيث , وَفِيهِ : فَقُلْت لِعَائِشَة : أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَام رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَتْ : أَلَسْت تَقْرَأ : " يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل " قُلْت : بَلَى ! قَالَتْ فَإِنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ اِفْتَرَضَ قِيَام اللَّيْل فِي أَوَّل هَذِهِ السُّورَة , فَقَامَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه حَوْلًا , وَأَمْسَكَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ خَاتِمَتهَا اِثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاء , حَتَّى أَنْزَلَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ فِي آخِر هَذِهِ السُّورَة التَّخْفِيف , فَصَارَ قِيَام اللَّيْل تَطَوُّعًا بَعْد فَرِيضَة . وَذَكَرَ الْحَدِيث .



وَذَكَرَ وَكِيع وَيَعْلَى قَالَا : حَدَّثَنَا مِسْعَر عَنْ سِمَاك الْحَنَفِيّ قَالَ : سَمِعْت اِبْن عَبَّاس يَقُول لَمَّا أُنْزِلَ أَوَّل " يَا أَيّهَا الْمُزَّمِّل " [ الْمُزَّمِّل : 1 ] كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامهمْ فِي شَهْر رَمَضَان حَتَّى نَزَلَ آخِرهَا , وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلهَا وَآخِرهَا نَحْو مِنْ سَنَة .



وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : مَكَثَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابه عَشْر سِنِينَ يَقُومُونَ اللَّيْل , فَنَزَلَ بَعْد عَشْر سِنِينَ : " إِنَّ رَبّك يَعْلَم أَنَّك تَقُوم أَدْنَى مِنْ ثُلُثَيْ اللَّيْل " [ الْمُزَّمِّل : 20 ] فَخَفَّفَ اللَّه عَنْهُمْ .



اِسْتِثْنَاء مِنْ اللَّيْل , أَيْ صَلِّ اللَّيْل كُلّه إِلَّا يَسِيرًا مِنْهُ ; لِأَنَّ قِيَام جَمِيعه عَلَى الدَّوَام غَيْر مُمْكِن , فَاسْتَثْنَى مِنْهُ الْقَلِيل لِرَاحَةِ الْجَسَد . وَالْقَلِيل مِنْ الشَّيْء مَا دُون النِّصْف ; فَحُكِيَ عَنْ وَهْب بْن مُنَبِّه أَنَّهُ قَالَ : الْقَلِيل مَا دُونَ الْمِعْشَار وَالسُّدُس . وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل : الثُّلُث .