سورة الأنفال تفسير القرطبي الآية 73
وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَآءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُن فِتْنَةٌۭ فِى ٱلْأَرْضِ وَفَسَادٌۭ كَبِيرٌۭ ﴿٧٣﴾

سورة الأنفال تفسير القرطبي

قَطَعَ اللَّه الْوِلَايَة بَيْنَ الْكُفَّار وَالْمُؤْمِنِينَ , فَجَعَلَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضَهُمْ أَوْلِيَاءَ بَعْضٍ , وَالْكُفَّار بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض , يَتَنَاصَرُونَ بِدِينِهِمْ وَيَتَعَامَلُونَ بِاعْتِقَادِهِمْ . قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْكَافِرَة يَكُون لَهَا الْأَخ الْمُسْلِم : لَا يُزَوِّجهَا , إِذْ لَا وِلَايَة بَيْنهمَا , وَيُزَوِّجهَا أَهْل مِلَّتهَا . فَكَمَا لَا يُزَوِّج الْمُسْلِمَةَ إِلَّا مُسْلِم فَكَذَلِكَ الْكَافِرَة لَا يُزَوِّجهَا إِلَّا كَافِر قَرِيب لَهَا , أَوْ أُسْقُفّ , وَلَوْ مِنْ مُسْلِم , إِلَّا أَنْ تَكُونَ مُعْتَقَة , فَإِنْ عَقَدَ عَلَى غَيْر الْمُعْتَقَة فُسِخَ إِنْ كَانَ لِمُسْلِمٍ , وَلَا يَعْرِض لِلنَّصْرَانِيِّ . وَقَالَ أَصْبَغُ : لَا يُفْسَخ , عَقْد الْمُسْلِم أَوْلَى وَأَفْضَل .





الضَّمِير عَائِد عَلَى الْمُوَارَثَةِ وَالْتِزَامهَا . الْمَعْنَى : إِلَّا تَتْرُكُوهُمْ يَتَوَارَثُونَ كَمَا كَانُوا يَتَوَارَثُونَ , قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقِيلَ : هِيَ عَائِدَة عَلَى التَّنَاصُر وَالْمُؤَازَرَة وَالْمُعَاوَنَة وَاتِّصَال الْأَيْدِي . اِبْن جُرَيْج وَغَيْره : وَهَذَا إِنْ لَمْ يُفْعَل تَقَع الْفِتْنَة عَنْهُ عَنْ قَرِيب , فَهُوَ آكَدُ مِنْ الْأَوَّل . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ عَنْ عَبْد اللَّه بْن مُسْلِم بْن هُرْمُز عَنْ مُحَمَّد وَسَعْد اِبْنَيْ عُبَيْد عَنْ أَبِي حَاتِم الْمُزَنِيّ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَة فِي الْأَرْض وَفَسَاد كَبِير ) . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّه , وَإِنْ كَانَ فِيهِ ؟ قَالَ : ( إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقه فَأَنْكِحُوهُ ) ثَلَاث مَرَّات . قَالَ : حَدِيث غَرِيب . وَقِيلَ : يَعُود عَلَى حِفْظ الْعَهْد وَالْمِيثَاق الَّذِي تَضَمَّنَهُ قَوْله : " إِلَّا عَلَى قَوْم بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاق " . وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يُفْعَل فَهُوَ الْفِتْنَة نَفْسهَا . وَقِيلَ : يَعُود عَلَى النَّصْر لِلْمُسْلِمِينَ فِي الدِّين . وَهُوَ مَعْنَى الْقَوْل الثَّانِي . قَالَ اِبْن إِسْحَاق : جَعَلَ اللَّه الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَار أَهْل وَلَايَته فِي الدِّين دُونَ مَنْ سِوَاهُمْ , وَجَعَلَ الْكَافِرِينَ بَعْضهمْ أَوْلِيَاء بَعْض . ثُمَّ قَالَ : " إِلَّا تَفْعَلُوهُ " وَهُوَ أَنْ يَتَوَلَّى الْمُؤْمِن الْكَافِر دُون الْمُومِنِينَ . " تَكُنْ فِتْنَة " أَيْ مِحْنَة بِالْحَرْبِ , وَمَا اِنْجَرَّ مَعَهَا مِنْ الْغَارَات وَالْجَلَاء وَالْأَسْر . وَالْفَسَاد الْكَبِير : ظُهُور الشِّرْك . قَالَ الْكِسَائِيّ : وَيَجُوز النَّصْب فِي قَوْله : " تَكُنْ فِتْنَةً " عَلَى مَعْنَى تَكُنْ فِعْلَتُكُمْ فِتْنَةً وَفَسَادًا كَبِيرًا .