سورة الانشقاق تفسير القرطبي الآية 17
وَٱلَّيْلِ وَمَا وَسَقَ ﴿١٧﴾

سورة الانشقاق تفسير القرطبي

أَيْ جَمَعَ وَضَمَّ وَلَفَّ , وَأَصْله مِنْ سَوْرَة السُّلْطَان وَغَضَبه فَلَوْلَا أَنَّهُ خَرَجَ إِلَى الْعِبَاد مِنْ بَاب الرَّحْمَة مَا تَمَالَكَ الْعِبَاد لِمَجِيئِهِ وَلَكِنْ خَرَجَ مِنْ بَاب الرَّحْمَة فَمَزَحَ بِهَا , فَسَكَنَ الْخَلْق إِلَيْهِ ثُمَّ ابْذَعَرُّوا وَالْتَفُّوا وَانْقَبَضُوا , وَرَجَعَ كُلٌّ إِلَى مَأْوَاهُ فَسَكَنَ فِيهِ مِنْ هَوْله وَحِشًا , وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : " وَمِنْ رَحْمَته جَعَلَ لَكُمْ اللَّيْل وَالنَّهَار لِتَسْكُنُوا فِيهِ " [ الْقَصَص : 73 ] أَيْ بِاللَّيْلِ " وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْله " [ الْقَصَص : 73 ] أَيْ بِالنَّهَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . فَاللَّيْل يَجْمَع وَيَضُمّ مَا كَانَ مُنْتَشِرًا بِالنَّهَارِ فِي تَصَرُّفِهِ . هَذَا مَعْنَى قَوْل اِبْن عَبَّاس وَمُجَاهِد وَمُقَاتِل وَغَيْرهمْ ; قَالَ ضَابِئ بْن الْحَارِث الْبَرْجُمِيّ : فَإِنِّي وَإِيَّاكُمْ وَشَوْقًا إِلَيْكُمْ كَقَابِضِ مَاء لَمْ تَسْقِهِ أَنَامِله يَقُول : لَيْسَ فِي يَده مِنْ ذَلِكَ شَيْء كَمَا أَنَّهُ لَيْسَ فِي يَد الْقَابِض عَلَى الْمَاء شَيْء ; فَإِذَا جَلَّلَ اللَّيْل الْجِبَال وَالْأَشْجَار وَالْبِحَار وَالْأَرْض فَاجْتَمَعَتْ لَهُ , فَقَدْ وَسَقَهَا . وَالْوَسْق : ضَمُّك الشَّيْء بَعْضه إِلَى بَعْض , تَقُول : وَسَقْته أَسِقهُ وَسْقًا . وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّعَامِ الْكَثِير الْمُجْتَمِع : وَسْق , وَهُوَ سِتُّونَ صَاعًا . وَطَعَام مُوسَق : أَيْ مَجْمُوع , وَإِبِل مُسْتَوْسِقَة أَيْ مُجْتَمِعَة ; قَالَ الرَّاجِز : إِنَّ لَنَا قَلَائِصًا حَقَائِقَا مُسْتَوْسِقَات لَوْ يَجِدْنَ سَائِقَا وَقَالَ عِكْرِمَة : " وَمَا وَسَقَ " أَيْ وَمَا سَاقَ مِنْ شَيْء إِلَى حَيْثُ يَأْوِي , فَالْوَسْق بِمَعْنَى الطَّرْد , وَمِنْهُ قِيلَ لِلطَّرِيدَةِ مِنْ الْإِبِل وَالْغَنَم وَالْحُمْر : وَسِيقَة , قَالَ الشَّاعِر : كَمَا قَافَ آثَار الْوَسِيقَة قَائِف وَعَنْ اِبْن عَبَّاس : " وَمَا وَسَقَ " أَيْ وَمَا جَنَّ وَسَتَرَ . وَعَنْهُ أَيْضًا : وَمَا حَمَلَ , وَكُلّ شَيْء حَمَلْته فَقَدْ وَسَقْته , وَالْعَرَب تَقُول : لَا أَفْعَلهُ مَا وَسَقَتْ عَيْنَيَّ الْمَاء , أَيْ حَمَلَتْهُ . وَوَسَقَتْ النَّاقَة تَسِق وَسْقًا : أَيْ حَمَلَتْ وَأَغْلَقَتْ رَحِمهَا عَلَى الْمَاء , فَهِيَ نَاقَة وَاسِق , وَنُوق وِسَاق مِثْل نَائِم وَنِيَام , وَصَاحِب وَصِحَاب , قَالَ بِشْر بْن أَبِي خَازِم : أَلَظَّ بِهِنَّ يَحْدُوهُنَّ حَتَّى تَبَيَّنَتْ الْحِيَال مِنْ الْوِسَاق وَمَوَاسِيق أَيْضًا . وَأَوْسَقْت الْبَعِير : حَمَّلْته حِمْله , وَأَوْسَقَتْ النَّخْلَة : كَثُرَ حَمْلهَا . وَقَالَ يَمَان وَالضَّحَّاك وَمُقَاتِل بْن سُلَيْمَان : حَمَلَ مِنْ الظُّلْمَة . قَالَ مُقَاتِل : أَوْ حَمَلَ مِنْ الْكَوَاكِب . الْقُشَيْرِيّ : وَمَعْنَى حَمَلَ : ضَمَّ وَجَمَعَ , وَاللَّيْل يُجَلِّل بِظُلْمَتِهِ كُلّ شَيْء فَإِذَا جَلَّلَهَا فَقَدْ وَسَقَهَا . وَيَكُون هَذَا الْقَسَم قَسَمًا بِجَمِيعِ الْمَخْلُوقَات , لِاشْتِمَالِ اللَّيْل عَلَيْهَا , كَقَوْلِهِ تَعَالَى : " فَلَا أُقْسِم بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ " [ الْحَاقَّة : 38 - 39 ] . وَقَالَ اِبْن جُبَيْر : " وَمَا وَسَقَ " أَيْ وَمَا عُمِلَ فِيهِ , يَعْنِي التَّهَجُّد وَالِاسْتِغْفَار بِالْأَسْحَارِ , قَالَ الشَّاعِر : وَيَوْمًا تَرَانَا صَالِحِينَ وَتَارَة تَقُوم بِنَا كَالْوَاسِقِ الْمُتَلَبِّب أَيْ كَالْعَامِلِ .