سورة التوبة تفسير القرطبي الآية 120
مَا كَانَ لِأَهْلِ ٱلْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ ٱلْأَعْرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرْغَبُواْ بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِۦ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌۭ وَلَا نَصَبٌۭ وَلَا مَخْمَصَةٌۭ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوْطِئًۭا يَغِيظُ ٱلْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّۢ نَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٌۭ صَٰلِحٌ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ ٱلْمُحْسِنِينَ ﴿١٢٠﴾

سورة التوبة تفسير القرطبي

ظَاهِره خَبَر وَمَعْنَاهُ أَمْر ; كَقَوْلِهِ : " وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُول اللَّه " [ الْأَحْزَاب : 53 ] وَقَدْ تَقَدَّمَ . " أَنْ يَتَخَلَّفُوا " فِي مَوْضِع رَفْع اِسْم كَانَ . وَهَذِهِ مُعَاتَبَة لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْل يَثْرِب وَقَبَائِل الْعَرَب الْمُجَاوِرَة لَهَا ; كَمُزَيْنَة وَجُهَيْنَة وَأَشْجَع وَغِفَار وَأَسْلَم عَلَى التَّخَلُّف عَنْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَة تَبُوك . وَالْمَعْنَى : مَا كَانَ لِهَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ أَنْ يَتَخَلَّفُوا ; فَإِنَّ النَّفِير كَانَ فِيهِمْ , بِخِلَافِ غَيْرهمْ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُسْتَنْفَرُوا ; فِي قَوْل بَعْضهمْ . وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون الِاسْتِنْفَار فِي كُلّ مُسْلِم , وَخَصَّ هَؤُلَاءِ بِالْعِتَابِ لِقُرْبِهِمْ وَجِوَارهمْ , وَأَنَّهُمْ أَحَقّ بِذَلِكَ مِنْ غَيْرهمْ .



هَذِهِ الْآيَة مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى : " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة " [ التَّوْبَة : 122 ] وَأَنَّ حُكْمهَا كَانَ حِين كَانَ الْمُسْلِمُونَ فِي قِلَّة , فَلَمَّا كَثُرُوا نُسِخَتْ وَأَبَاحَ اللَّه التَّخَلُّف لِمَنْ شَاءَ ; قَالَهُ اِبْن زَيْد . وَقَالَ مُجَاهِد : بَعَثَ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْمًا إِلَى الْبَوَادِي لِيُعَلِّمُوا النَّاس فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَة خَافُوا وَرَجَعُوا ; فَأَنْزَلَ اللَّه : " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّة " . وَقَالَ قَتَادَة : كَانَ هَذَا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , إِذَا غَزَا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَخَلَّف عَنْهُ إِلَّا بِعُذْرٍ ; فَأَمَّا غَيْره مِنْ الْأَئِمَّة الْوُلَاة فَلِمَنْ شَاءَ أَنْ يَتَخَلَّف خَلْفه مِنْ الْمُسْلِمِينَ إِذَا لَمْ يَكُنْ بِالنَّاسِ حَاجَة إِلَيْهِ وَلَا ضَرُورَة . وَقَوْل ثَالِث : أَنَّهَا مُحْكَمَة ; قَالَ الْوَلِيد بْن مُسْلِم : سَمِعْت الْأَوْزَاعِيّ وَابْن الْمُبَارَك وَالْفَزَارِيّ وَالسَّبِيعِيّ وَسَعِيد بْن عَبْد الْعَزِيز يَقُولُونَ فِي هَذِهِ الْآيَة إِنَّهَا لِأَوَّلِ هَذِهِ الْأُمَّة وَآخِرهَا . قُلْت : قَوْل قَتَادَة حَسَن ; بِدَلِيلِ غَزَاة تَبُوك , وَاَللَّه أَعْلَم .





أَيْ لَا يَرْضُوا لِأَنْفُسِهِمْ بِالْخَفْضِ وَالدَّعَة وَرَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَشَقَّة . يُقَال : رَغِبْت عَنْ كَذَا أَيْ تَرَفَّعْت عَنْهُ .





أَيْ عَطَش . وَقَرَأَ عُبَيْد بْن عُمَيْر " ظَمَاء " بِالْمَدِّ . وَهُمَا لُغَتَانِ مِثْل خَطَأ وَخَطَاء .







عَطْف , أَيْ تَعَب , وَلَا زَائِدَة لِلتَّوْكِيدِ . وَكَذَا







أَيْ مَجَاعَة . وَأَصْله ضُمُور الْبَطْن ; وَمِنْهُ رَجُل خَمِيص وَامْرَأَة خَمْصَانَة . وَقَدْ تَقَدَّمَ .







أَيْ فِي طَاعَته .







أَيْ أَرْضًا .







أَيْ بِوَطْئِهِمْ إِيَّاهَا , وَهُوَ فِي مَوْضِع نَصْب لِأَنَّهُ نَعْت لِلْمَوْطِئِ , أَيْ غَائِظًا .





أَيْ قَتْلًا وَهَزِيمَة . وَأَصْله مِنْ نِلْت الشَّيْء أَنَال أَيْ أَصَبْت . قَالَ الْكِسَائِيّ : هُوَ مِنْ قَوْلهمْ أَمْر مَنِيل مِنْهُ ; وَلَيْسَ هُوَ مِنْ التَّنَاوُل , إِنَّمَا التَّنَاوُل مِنْ نُلْته الْعَطِيَّة . قَالَ غَيْره : نُلْت أَنُول مِنْ الْعَطِيَّة , مِنْ الْوَاو وَالنَّيْل مِنْ الْيَاء , تَقُول : نِلْته فَأَنَا نَائِل , أَيْ أَدْرَكْته .



اِسْتَدَلَّ بَعْض الْعُلَمَاء بِهَذِهِ الْآيَة عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَة تُسْتَحَقُّ بِالْإِدْرَابِ وَالْكَوْن فِي بِلَاد الْعَدُوّ , فَإِنْ مَاتَ بَعْد ذَلِكَ فَلَهُ سَهْمه ; وَهُوَ قَوْل أَشْهَب وَعَبْد الْمَلِك , وَأَحَد قَوْلَيْ الشَّافِعِيّ . وَقَالَ مَالِك وَابْن الْقَاسِم : لَا شَيْء لَهُ ; لِأَنَّ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ إِنَّمَا ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَة الْأَجْر وَلَمْ يَذْكُر السَّهْم .



قُلْت : الْأَوَّل أَصَحّ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى : جَعَلَ وَطْء دِيَار الْكُفَّار بِمَثَابَةِ النَّيْل مِنْ أَمْوَالهمْ وَإِخْرَاجهمْ مِنْ دِيَارهمْ , وَهُوَ الَّذِي يَغِيظهُمْ وَيُدْخِل الذُّلّ عَلَيْهِمْ , فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ نَيْل الْغَنِيمَة وَالْقَتْل وَالْأَسْر ; وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَالْغَنِيمَة تُسْتَحَقُّ بِالْإِدْرَابِ لَا بِالْحِيَازَةِ , وَلِذَلِكَ قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللَّه عَنْهُ : مَا وُطِئَ قَوْم فِي عُقْر دَارهمْ إِلَّا ذَلُّوا . وَاَللَّه أَعْلَم .







قَالَ اِبْن عَبَّاس : بِكُلِّ رَوْعَة تَنَالهُمْ فِي سَبِيل اللَّه سَبْعُونَ أَلْف حَسَنَة . وَفِي الصَّحِيح : ( الْخَيْل ثَلَاثَة ... - وَفِيهِ - وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْر فَرَجُل رَبَطَهَا فِي سَبِيل اللَّه لِأَهْلِ الْإِسْلَام فِي مَرْج أَوْ رَوْضَة فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْج أَوْ الرَّوْضَة إِلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَد مَا أَكَلَتْ حَسَنَات وَكُتِبَ لَهُ عَدَد أَرْوَاثهَا وَأَبْوَالهَا حَسَنَات ... ) . الْحَدِيث . هَذَا وَهِيَ فِي مَوَاضِعهَا فَكَيْفَ إِذَا أَدْرَبَ بِهَا .